فهرس الكتاب
... وتقف العلة النحوية عند الكوفيين بعد الفراء عند المرحلة التي بلغتها عنده ، ويبقى ثعلب وأبو بكر بن الأنباري على آثار شيوخهما مقتدين ، فقد كان ثعلب من الحفظ ، والعلم ، وصدق اللهجة ، والمعرفة بالغريب ، ورواية الشعر القديم ، ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين على ما ليس عليه أحد ، وكان يدرس كتب الفراء والكسائي درسا ، وكان متبحرا في المذهب الكوفي ، لا مستخرجا للقياس ، ولا طالبا له ، وكان يقول: قال الفراء ، وقال الكسائي ، فإذا سُئل عن الحجة في ذلك ، لم يعرف النظر [1] 0
... وكان إبراهيم الحربي أحد أصحاب ثعلب يقول [2] : بلغني أن أبا العباس أحمد بن يحيى قد كره الكلام في الاسم والمسمى ، وقد كرهت لكم ـ يعني أصحابه ـ ما كره أحمد بن يحيى ، ورضيت لنفسي ما رضي 0
... وتند بعض العلل عند أبي بكر بن الأنباري ، وتبلغ منزلة فلسفية ، فهو يقول [3] : واختلف النحويون في الاعتلال لنحن ، لِمَ كانت للاثنين والجمع بلفظ واحد ؟ قال هشام ومن قال بقوله: جُعل جمع أنا ، وتثنيته على خلاف لفظه ، كما قالوا رجل ، وفي جمعه قوم ، وقالوا امرأة ، وفي جمعها نسوة ، وبعير ، وفي جمعه إبل ، فلمّا كان جائزا أن يخرج الجمع على غير لفظ الواحد ، ألحقوا نحن به 0
ـ 132 ـ
... وليس من شك في أن هذه العلل التي نقلت عن الفراء وغيره ، لا تقلّ عن العلل البصرية عند الجيل الذي يمثله سيبويه والخليل ؛ لأنها لا تستقري روح العربية ، ولا تجمع إلى معيارية تُخضع الظواهر النحوية لموازين العقل والمنطق ، اللهم إلاّ في مواضع جد قليلة ، نجدها طورا عند الفراء ، وآخر عند غيره ، ومهما يكن فإن الكوفيين يجمعون بين اعتماد السماع ، واصطناع العلة [4] 0
(1) ثعلب ، شرح ديوان زهير بن أبي سلمى ، ص 21 ( المقدمة ) ، معجم الأدباء 5/120
(2) إنباه الرواة 1/142
(3) الأضداد ، ص 183 ـ 184
(4) الخلاف النحوي بين البصريين والكوفيين ، ص 326 ـ 328