فهرس الكتاب
... أ ـ القرآن الكريم وقراءاته المتعددة:
... لقد كان الكوفيون أوسع أفقا في مجال القرآن الكريم ، والاستشهاد بآيه من البصريين ، ذلك أن الكوفة كانت أكبر مدرسة للقرآن الكريم وقراءاته ، ومن علمائها ثلاثة
ـ 138 ـ
من القراء السبعة ، لذا قبل الكوفيون كل ما جاء في القرآن الكريم ، مؤثرين في أحايين كثيرة عدم التأويل والتخريج ، والأخذ بظواهر الآيات ، وكان هذا المنهج سليما لو أنهم ساروا على نهجه ، وسلكوا دربه في كل ما أوردوه من مسائل ، أو عرضوه من قضايا ، ولكنهم ـ مع الأسف ـ لم يُحكِّموا هذا المنهج في كل ما ورد من الآيات القرآنية ، ذلك أن الأقيسة البصرية قد بهرتهم ، فنسجوا على منوالها ، واغترفوا من معينها ، وخضعوا لسلطانها في موضوعات عدة من المسائل النحوية ، التي كان يجب أن تسكت فيها هذه المقاييس ، لِتنطق الشواهد القرآنية ، لِتكون الفيصل في هذه الموضوعات ، ويرجع السبب في ذلك إلى أن مصدر الدراسة النحوية الكوفية هو المذهب البصري ، الذي يقوم على المنطق والقياس في أكثر مسائله ، ومن هنا كان من الطبيعي أن يترك المذهب البصري رواسبه في المذهب الكوفي ؛ لأنه منه نشأ ، وعنه صدر ، وبخاصة في مجال القياس والعلة ، فلا غرابة والحال هذه أن تتسرب هذه المقاييس البصرية إلى نحوهم ، فتؤثر فيه ، وتؤثر فيهم ، فيغرمون بالقياس في مواضع عديدة من نحوهم ، وإن كان لقياسهم صبغة تختلف عن صبغة القياس البصري [1] 0
(1) القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية ، ص 124 ـ 125