الصفحة 145 من 266

... لقد كان الكوفيون في مجال القرآن الكريم أكثر من البصريين استدلالا بآياته ، واحتجاجا بأساليبه ، ذلك أنهم يؤمنون أن القرآن جاء بلغات مختلفة فصيحة ، فهو أحق بالقبول ، وأجدر بالأخذ حين تُبنى قاعدة ، أو يُقرر حكم ، أو يُصحح أسلوب ، لذا كان الفراء يقول [1] : والكتاب أعرب وأقوى في الحجة من الشعر ، ويقول [2] ابن جني في قوله تعالى: [ إنك ميّت وإنهم ميّتون ] [3] : فأمّا قول الله عزّ وجلّ: [ أو من كان ميْتا فأحييناه ] [4] ، ثم قال في موضع آخر: [ إنك ميّت وإنهم ميّتون ] فلا يدل على أن الذي يقول ( ميْت ) بسكون الياء ، هو الذي يقول ( ميّت ) بتشديد الياء ، لأن القرآن جاء بلغات مختلفة ، وإن كانت كلها فصيحة ، ويرى ابن هشام [5] أن الاستعانة بالشواهد القرآنية نرى صداها واضحا عند الكوفيين ، ولم يكن الكوفيون رجال فلسفة ، ولا دعاة منطق يحكمون

ـ 139 ـ

المنطق في اللغة ، ويفرضون أقيسة عليها ، كما كان يفعل البصريون ، ومن ثم قبل الكوفيون قراءات القرآن الكريم التي تتجافى عن المنطق وأساليبه ؛ لأنها تقوم على الرواية والنقل ، لذا بنى الكوفيون كثيرا من القواعد النحوية على هذه القراءات 0

... لقد كان البصريون يلجأون إلى التأويل عند مواجهتهم قراءة من القراءات السبع ، لا سبيل إلى إنكارها ، أمّا الكوفيون فلهم موقف آخر ، يغاير البصريين كل المغايرة ، فقد قبل الكوفيون القراءات ، واحتجوا بها ، وعقدوا على ما جاء فيها كثيرا من أحكامهم ، وهم إذا رجّحوا القراءات التي يجتمع القراء عليها ، فلا يرفضون غيرها ، ولا يغلطونها ؛ لأنها صواب عندهم أيضا ، كما أن القراءات المختلفة ـ حتى الشاذ منها ـ من مصادر دراستهم [6] 0

(1) معاني القرآن 1/14

(2) شرح تصريف المازني 2/17

(3) الزمر 3

(4) الأنعام 122

(5) الإعراب عن قواعد الإعراب ، ص 15

(6) البحث اللغوي عند العرب ، ص 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت