الصفحة 158 من 266

... إنّ المذهب الكوفي في نظرنا أقرب إلى الواقع حين أجاز القياس على المثال الواحد المسموع ، ولم يعتبر القلة والكثرة ، وذلك لأن القبائل العربية تتساوى في صحة القول ، وسلامة اللغة ، وليس أمام العقل مسوغ في تفضيل لهجة على لهجة ، ومن القواعد المقررة في فقه اللغة أنه لا يُحتج بلغة قبيلة على أختها ، ولا يحكم النظير بالتخلف على نظيره ، ومن يدرينا أن الظاهرة اللغوية التي روى لها الكوفيون شاهدا واحدا ، ليس لها شواهد أخرى ؟ أليس من الممكن جدا أن يكون وراء هذا الشاهد الواحد عشرات الشواهد ، التي لم يهتم العلماء بتسجيلها ، والتي فقدت ، ولم تصل إلينا ؟ يدل على هذا ما نسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قوله [1] : كان الشعر علم قوم ، ولم يكن لهم علم أصح منه ، فجاء الإسلام ، فتشاغلت العرب عنه بالجهاد ، وغزو الفرس والروم ، ولهيت عن الشعر وروايته ، فلما كثر الإسلام ، وجاءت الفتوح ، واطمأنت العرب في الأمصار ، وراجعوا

ـ 149 ـ

رواية الشعر ، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ، ولا كتاب مكتوب ، وألفوا ، وقد هلك من العرب مَن هلك بالموت والقتل ، فحفظوا أقل ذلك ، وذهب عنهم منه أكثره 0

(1) طبقات الشعراء الجاهليين والإسلاميين ، ص 17

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت