فهرس الكتاب
... لقد كان من جراء إفراط البصريين في استخدام الأقيسة العقلية ، وتشددهم في قبول الشاهد النحوي ، أن وجدوا أنفسهم أمام شواهد فصيحة ، تخالف قياسهم المنطقي ، أو قاعدتهم التي استنبطوها ، وهنا وجدوا أنفسهم مضطرين إلى تأويلها ، وإخراجها عن ظاهرها ؛ لتنسجم مع قواعدهم ، وإمّا إلى رميها بالشذوذ أو الخطأ ، وقد أدت هذه التأويلات إلى إفساد النحو العربي ، وملئه بمسائل ومشاكل لا نحتاج إليها في تصحيح نطقنا أو تقويم لساننا ، ولا يعوزنا الدليل على ذلك ، فلننظر إلى ما قاله البصريون والكوفيون في نواصب الفعل المضارع ، فقد ذهب معظم الكوفيين إلى أن النواصب عشرة ، وهي تنصب المضارع بنفسها ، وهذا مذهب لا التواء فيه ، ولا تعقيد ، ولا يحمّل هذه النواصب ما لا تحتمله من المعاني ، ولا يوقعنا في تكلفات تشوه النحو ، وتنفِّر الدارسين منه ، أمّا البصريون فقد قسموا النواصب على قسمين: قسم ينصب بنفسه ، وهو أن ولن وإذن وكي في بعض حالاتها ، وقسم ينصب بأن مضمرة بعده ، وهو النواصب الستة الباقية ، ثم تحدثوا بعد هذا على أن المضمرة جوازا ، وأن المضمرة وجوبا ، واضطرهم تقدير أن إلى أن يبحثوا للأدوات الستة على أعمال أخرى غير النصب ؛ لأن ما بعدها لا بدّ أن يؤول
ـ 150 ـ
بمصدر لوجود أن المضمرة ، وهذا المصدر لا بدّ له من إعراب يُعرب به ، وقد وقعوا بذلك في تكلفات لم يقع فيها نحاة الكوفة ، واخترعوا لنا ما سموه بالمصدر المتصيد [1] 0
(1) البحث اللغوي عند العرب ، ص 115