الصفحة 161 من 266

... إنّ نحاة الكوفة كانوا يلمحون الطبيعة اللغوية ، ويمتازون بفهم العربية فهما لا يقوم على افتراضات وتكهنات ، أو استهداء بقوانين العقل ، وأصول المنطق ، ولكنه يقوم على تذوق اللغة والحس بطبيعتها ، فالكوفيون أقدر على تصوير المعاني الطبيعية ، وأصدق تفسيرا لظواهر التركيب ، وإذا جعل الكوفيون النقل والرواية مصدر القواعد الأولى ، كان نحوهم أوفر حظا في تمثيل اللغة العربية ، ولهجاتها المختلفة ، ومذهبهم أقرب إلى تصوير العربية تصويرا حقيقيا [1] 0

... لقد أكثر البصريون من التأويلات العقلية ، في حين ابتعد الكوفيون عن التأويل العقلي ، واقتربوا من المنهج الوصفي السليم ، وخير مثال على ذلك وقوع الجملة فاعلا ، فقد قرر البصريون أن الفاعل لا يكون جملة ، ولكنهم اصطدموا بنصوص عربية لا يرقى إليها الشك ، تؤكد وقوع الجملة فاعلا ، فاضطروا إلى تأويل النص ، والإسراف فيه ، وذلك نحو قوله تعالى: [ ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه ] [2] أين فاعل الفعل بدا ؟ اضطر البصريون أن يدوروا حول النص ، فقالوا: إنّ الفاعل ضمير مستتر تقديره هو ، فعلى أي شيء يعود هذا الضمير ؟ قالوا: إنه يعود على المصدر المفهوم من الفعل ، والتقدير: ثم بدا لهم بداء هو ، ثم قالوا: إنّ جملة [ ليسجننه ] جملة تفسيرية ، تفسر هذا الضمير المستتر العائد على البداء ، أمّا الكوفيون فقالوا: إنّ جملة [ ليسجننه ] هي الفاعل ، وليس من شك في أن هذا هو الصحيح ، ووقوع الجملة فاعلا ليس بالأمر الغريب ولا المستهجن [3] 0

(1) مدرسة الكوفة ، ص 378 ـ 379

(2) يوسف 35

(3) دروس في كتب النحو ، ص 54 ـ 55

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت