الصفحة 162 من 266

... ولم يكن النحاة على حق في ربطهم الفصاحة بالبداوة حين قالوا إن الكوفيين قد وسعوا رقعة استشهادهم ، وكانوا يأخذون عن كل أحد ، ذلك لأن اللغة بنت الحاجة والاستعمال ، واللغة لا تنشأ في فراغ ، وإنما لتعبر عن تجارب واحتياجات وثقافات معينة ، وما من شك أن تجارب البدوي واحتياجاته ، تختلف عن تجارب الحضري واحتياجاته ، لذا

ـ 151 ـ

ليس من المعقول ن تغني إحدى اللغتين عن الأخرى ، وليس من الحق أن نعتبر لغة البدوي أرقى من لغة الحضري ، هذا فضلا عن أنها لا تفي باحتياجاته [1] 0

... إنّ العجب ليساورنا عندما نستطلع موقف بعض الباحثين من قدامى ومحدثين ، حين اختلفت لديهم موازين التقويم ، فجعلوا العيب ميزة عند البصريين ، والميزة عيبا عند الكوفيين ، إذ عابوا على الكوفيين الالتفات إلى كل مسموع ، وجعلوه من حسنات البصريين ، أما علموا أن المنهج السليم يقضي باستقراء كل ما ورد عن العرب ، وفي ضوء هذا الاستقراء التام ، تُوضع القواعد والقوانين ، وإلاّ جاءت مضطربة متناقضة ، كما هو الحال في قواعدنا اليوم 0

... مما تقدم ندرك أن المنهج البصري غير متماسك ، كما أن المنهج الكوفي غير متكامل ، فكلا المنهجين يحتاج إلى تقويم وتهذيب ، أمّا منهج البصريين فعواره في أنه حبس اللغة في قوقعة المنطق ، وعاقها عن الانطلاق ، مع أن اللغات الإنسانية جميعها تخضع لظروف اجتماعية ، وتتطور تبعا لتطور المجتمعات ، ويؤخذ على الكوفيين أنهم لم يسلموا من أمر المقاييس ، فقاسوا ، ولكن أقيستهم خانها التوفيق في بعض المواطن 0

... ولا يثنينا عن رأينا في التعلق بهذا المذهب الحي ما قيل ، وما شاع وذاع ، من أن المذهب البصري أصح قياسا ، وأتقن رواية ، وغير ذلك ؛ لأن مثل هذا الكلام بحاجة إلى إعادة نظر 0

الباب الثالث

آراء الفراء

ـ 153 ـ

تمهيد:

(1) البحث اللغوي عند العرب ، ص 39

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت