الصفحة 88 من 266

وقد سبقت البصرة الكوفة في دراسة النحو بنحو مئة عام ، ولذلك أسبابه ، فلم يكن الخطر في أية بيئة إسلامية جديدة كما كان في البصرة ، حيث السواد من سكانها نبط وعجم وهنود ، وحيث صراع اللغات عنيف ، بل حيث تكاد تكون لكل قبيلة عربية لهجة خاصة ، ويبدو أن هذا ما جعل أهل البصرة يلجأون إلى البدو الذين يفدون على المربد ، وفي الناحية الأخرى نرى غير العرب يتطلعون إلى معرفة لغة العرب لحاجات شتى ومعقدة ، ربما لإسلامهم ، وربما لعملهم مع المسلمين ، أو لولائهم لمسلمين ، ومن بين هؤلاء من يفسد الكلمة أو الحرف ، ومنهم من يلحن أو يحرّف [1] 0

ولم ينشأ النحو في الحجاز ، ولا غيره من الأمصار ، ذلك أن سكان العراق بقايا أمم قديمة متحضرة ، كان لها سابق علم وتدوين ، فلمّا دخل أهله في الإسلام ، عالجوا العلوم على قياس معالجة أممهم السابقة العلوم [2] ، كما أن حاجة البلاد الأعجمية إلى النحو والصرف تفوق حاجة البلاد العربية كالحجاز ، أمّا بغداد فهي مدينة ملك ، وليست مدينة علم ، وما فيها من العلوم منقول إليها [3] 0

أمّا أن البصرة سبقت الكوفة بنحو مئة عام في دراسة النحو ، والاشتغال به [4] ، فقد سبقت البصرة الكوفة في التمصير بعامين أو ثلاثة ، كما أن تأخر الكوفيين في دراسة النحو

ـ 91 ـ

يرجع ـ في أغلب الظن ـ لانصراف الكوفيين عن التلقي ترفعا في بداية الأمر ، وما لبثوا أن شغلهم الشعر وروايته ، والأدب وطرائقه عن مدارسة النحو [5] 0

(1) أحمد كمال زكي ، الحياة الأدبية في البصرة إلى نهاية القرن الثاني الهجري ، ص 162

(2) عبد العزيز عتيق ، المدخل إلى علم النحو والصرف ، ص 131

(3) مراتب النحويين ، ص 160

(4) الفهرست ، ص 96

(5) محمد محمود هلال ، الكامل في الدراسات النحوية ونشأتها ، ص 17 ، محمد طنطاوي ، نشأة النحو ، ص 134

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت