الصفحة 89 من 266

... ... ففي الوقت الذي كان فيه علماء البصرة يهتمون بالنحو ، كان علماء الكوفة يهتمون بالأشعار ورواية الأدب ، ولعل السبب في عناية الكوفيين بالأشعار يرجع إلى أنها كانت تحتفظ بعادات العرب ، وتغنيها بالبطولة في الشعر ، والتفاخر بالأبطال ؛ لأن الكوفة منزل العناصر العربية الأرستقراطية ، وموطن أمراء القبائل [1] ، ويبدو أن عناية أهل الكوفة بالشعر تعود إلى الأوراق المسطورة من عهد النعمان بن المنذر ، الذي أمر فنسخت له أشعار العرب ، ثم دفنها في قصره ، واستخرجها من بعده المختار بن عبيد الثقفي ، فاطلع عليها علماء الكوفة [2] ، وقد كان علماء الكوفة يقدمون الأعشى ، في حين كان علماء البصرة يقدمون امرأ القيس بن حجر [3] 0

... وفضلا عن الشعر ـ وبما أن الكوفة مهجر كثير من الصحابة ـ فقد ازدهر فيها الفقه ، على أن أهم ما يميزها أنها كانت أكبر مدرسة لإقراء القرآن الكريم ، ومنها خرج ثلاثة من القراء السبعة هم: عاصم وحمزة والكسائي [4] 0

... وتنبه علماء الكوفة بعدئذ ، وما لبثت الكوفة أن دخلت حلبة الميدان في دراسة النحو ، وهناك حقيقة مؤكدة ، وهي أن الكوفة تعلمت النحو من البصرة ، ثم بدأت تتخذ لنفسها منهجا خاصا ، حتى تشكلت لها مدرسة متميزة ، فأنت لا تكاد ترى مسألة من مسائل النحو إلاّ وفيها مذهبان ، بصري وكوفي ، بل لعلك تستطيع معرفة رأي إحداهما إذا وقفت على رأي الأخرى وحدها 0

(1) مدرسة الكوفة ، ص 39

(2) نشأة النحو ، ص 135

(3) محمد بن سلام الجمحي ، طبقات الشعراء الجاهليين والإسلاميين ، ص 26 ، ابن رشيق ، العمدة 1/98

(4) ابن الجزري ، النشر في القراءات العشر 1/8 ، أبو شامة ، إبراز المعاني من حرز الأماني ، ص 3

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت