فهرس الكتاب
سكان البصرة أصلب عودا ، وأصعب مراسا ، فقد نشأ البصريون في ظلال الحرية التي درج عليها العرب وألفوها ، ولم يمتد إليهم من النفوذ ما يضعف شوكتهم ، ويلين قناتهم ، فظلوا على ما هو معلوم عنهم من نزوع إلى الصلابة ، ونفور من الإذعان ، وميل إلى الاعتداد بالذات ، والتعلق بالعروبة وأساليبها الصافية ، وكانوا يناصرون الأمويين ، وكان الكوفيون أميل إلى الطاعة والهدوء ، كما كانوا يناصرون علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، ويظاهرون الهاشميين ، لذا كان أهلها عونا للدولة العباسية في بسط نفوذها في بداية الأمر ، ثم تغير الحال حين نقض العباسيون عهدهم مع آل البيت [1] 0
ـ 93 ـ
3 ـ في صفاء العروبة:
سكان البصرة على صلة بالبادية ، يرحلون إليها لمشافهة أهلها ، والأخذ عنهم ، فكان المعين الذي صدر عنه البصريون صافيا غزيرا بعيدا عن الشوائب نقيا من آثار الشك ، وعوامل الضعف ، فكانت شواهدهم صحيحة موفورة في أغلب الأحيان وأمّا سكان الكوفة فلم يتوافر لهم ما توافر للبصريين ، ولم تتهيأ لهم العوامل التي تجعل منابع لغتهم نقية ، فقد أخذوا عن قبائل قيل إنها كانت أضعف فصاحة من تلك التي اعتمد عليها البصريون ، قال الرياشي [2] : إنما أخذنا اللغة عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع ، وهؤلاء ـ يعني الكوفيين ـ أخذوا اللغة عن أهل السواد ، أصحاب الكواميخ ، وأكلة الشواريز* 0
هذا فضلا عن اشتغال الكوفيين المتأخر بالنحو ، فقد سبقهم البصريون إلى ذلك 0
4 ـ في منهج البحث:
(1) المدخل إلى علم النحو والصرف ، ص 138 ـ 139 ، القواعد النحوية مادتها وطريقتها ، ص 74
(2) أخبار النحويين البصريين ، ص 90
* الضباب جمع ضب ، واليرابيع جمع يربوع ، وهما من الحيوانات الزاحفة التي تعيش في البراري والقفار ، والكواميخ جمع كامخ ،
وهو إدام يؤكل لتشهي الطعام ، لسان العرب ( كمخ ) ، والشواريز ، جمع شيراز ، وهو اللبن الرائب ، انظر: أخبار النحويين
البصريين ، ص 90