فهرس الكتاب
البصريون يقفون عند الشواهد الكثيرة النظائر في الغالب ، وكانوا يؤولون ما خالف الشواهد ، ويحكمون عليه بالشذوذ ، ومن ثم كثر عندهم ما قل عند الكوفيين من التأويل ، والحكم بالشذوذ ، والضرورات ، وقد استعمل البصريون القياس ، وفضلوه وآمنوا بسلطانه ، وجروا عليه ، وأهدروا ما عداه ، أمّا الكوفيون فرأوا احترام كل ما جاء عن العرب ، فكان الكوفيون أسلس خطة في المنهج العلمي ، وأكثر خضوعا ، كما كانوا في طباعهم أدنى إلى الطاعة والمهادنة ، فقد كان البصريون أشبه بالمحافظين المتمسكين بالقديم ، وكان الكوفيون أحرارا مجددين ، يلتمسون التوسع ، ويجرون وراء الابتكار [1] 0
لقد كانت في الكوفة حرية تفكير ، وتوسع في الابتكار ، وانفساح في الميدان للآراء ، وتسربت هذه الروح فيمن توطنها من العرب ، وأقام فيها ، فكانت نزعة البصرة في عمومها ، تخالف نزعة الكوفة في عمومها ، فكان حتما مقضيا أن
ـ 94 ـ
يسلك البصري في أصول مذهبه مسلك الشدة ، والمحافظة على المأثور ، وأن ينهج الكوفي في أصول مذهبه طريق السهولة والرواية [2] 0
إنّ هذا الخلاف في حقيقته يعود إلى سبب جوهري في طبيعة المذهبين ، ذلك أن نزعة المذهب البصري منذ أسسه ابن أبي إسحاق الحضرمي نزعة عقلية فلسفية ، تميل إلى تعميق القياس على المشهور ، دون نظر إلى اختلاف القبائل في بعض الظواهر اللغوية الخاصة ، والتي حسب لها الكوفيون كل حساب 0
لقد اتجهت كل مدينة منهما وجهة خاصة في طرائق الاستنباط ، وأساليب البحث ، ومبلغ الاعتداد بالشاهد ، وغير ذلك ، ونشأ عن هذا أن أصبح لكل منهما مذهب خاص ، وتباعدت بينهما شقة الخلاف في كثير من المسائل 0
(1) القواعد النحوية مادتها وطريقتها ، ص 148
(2) نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة ، ص 148