الصفحة 93 من 266

... وعلى كل حال فإن الذي نقل اللغة ، واللسان العربي عن العرب ، وأثبتها في كتاب ، فصيّرها علما وصناعة ، هم أهل المصرين فقط ، من بين أمصار العرب [1] ، فالمصران هما المقر الأكبر للثقافة العقلية ، حيث التقى عرب وفرس ، ونصارى ويهود ومجوس ، وهنا حيث ازدهرت التجارة ، يجب أن نلتمس بواكير العلم العقلي الدنيوي [2] 0

ـ 95 ـ

ب ـ بداية المدرسة الكوفية ونهايتها وأشهر أعلامها:

لقد عزّ على الكوفيين أن يجدوا أنفسهم عيالًا في النحو على علماء البصرة ، فوجدوا أنفسهم مضطرين إلى تعلمه ، فاتجهوا إلى مدارسته ، وكان بعضهم عرف قواعده ؛ لانتقاله بين البصريين ، وتردده عليهم ، كما انتقل بعض نحاة البصرة إلى الكوفة ، واتخذوها دار هجرة ، وشدّ كثير من رجال الكوفة الرحال إلى البصرة طلبا للعلم ، وقصد الكوفيون الأعراب ، وأهل البادية ، يأخذون عنهم ، ويقعدون قواعدهم ؛ لأن الكوفيين أرادوا أن تكون لهم شخصيتهم المستقلة عن البصرة ، لما كان بين المصرين من إحن ، ولكي يستقلوا بمذهب خاص ينسب إليهم ، فأخذ النحو طريقه إلى الكوفة ، وكان في طليعة أهل البصرة الذين وفدوا على الكوفة عبد الرحمن التميمي ت 164 هـ [3] ، ثم أبو جعفر الرؤاسي ، وعمه معاذ الهراء ت 187 هـ ، وأشهر من تخرج بهؤلاء الكسائي ت 189 هـ ، وهو عند الكوفيين بمنزلة الخليل ت 175هـ عند البصريين ، والفراء الذي انتهت إليه إمامة العربية في الكوفة ، ولم يتقيد الفراء في التأصيل والتفريع بمذاهب من سبقوه ، ورسم للكوفيين الحدود التي احتذوا أمثلتها ، وخالفوا فيها البصريين ، فاشتد التنافس بين المصرين ، فما أن بدأت الطبقة الثالثة البصرية ، حتى تكونت معها الطبقة الأولى الكوفية ، التي استقلت بالمذهب الكوفي ، فأصبحت له سماته المميزة 0

(1) المزهر 1/212

(2) دي بور ، تاريخ الفلسفة في الإسلام ، ص 8

(3) طه الراوي ، نظرات في اللغة والنحو ، ص 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت