فهرس الكتاب
ولو رجعنا إلى ما وصل إلينا من مصنفات الفراء بخاصة ، والكوفيين بعامة ، لوجدناها أبعد ما تكون من الخلوص للنحو بمعناه الاصطلاحي ، ففيها روايات في القراءات ومعاني القرآن ، ونوادر أدبية ، وغرائب ألفاظ ، وأقوال نحوية منثورة ، لا يربط موضوعها رابط ، وخير مثال على ذلك كتاب معاني القرآن للفراء ، ومرجع ذلك أن النحاة الأولين لم يكن لديهم تفكير فلسفي منظم في دراسة اللغة ، كما أن عددا كبيرا من الكوفيين كانوا يجالسون الخلفاء ، ويقومون على تأديب أبنائهم ، وطبيعة عملهم تؤدي إلى هذا الخلط [1] 0
إنّ الدراسة النحوية في الكوفة إنما ابتدأت بالكسائي ، ولكن القدماء أبوا إلاّ أن يذكروا رجالا قبل الكسائي ، وربما كام مرد ذلك محاولة لإثبات الأمجاد ، والتاريخ العريق في صناعة الإعراب ، فالكسائي إمام أهل الكوفة وعالمهم ، والفراء هو الذي نهج بالنحو منهجا جديدا ، تولاه بالرعاية ، فإليه يُعزى تنظيم المنهج الكوفي ، أمّا قبل ذلك فالنحو بصري صرف [2] 0
لقد بدأت المدرسة الكوفية بالمعنى الصحيح بالكسائي ، وانتهت بثعلب ، أمّا أصحاب ثعلب فليسوا جميعا كوفيين ، بل أكثرهم ينتمون إلى مدرسة بغداد ، لا نستثني منهم إلاّ أبا بكر بن الأنباري ، الذي ترسم خطى الكوفيين ، وبناء على هذا فقد عمرت مدرسة الكوفة زهاء قرن ونصف من الزمان ، أي من منتصف القرن الثاني الهجري إلى أواخر القرن الثالث تقريبا 0
وبعد ذلك حمل البغداديون النحو الكوفي ، وإن أخذوا بالاختيار بين المذهبين ، والخلط بينهما ، غير أن النحو الكوفي كان أظهر في النحو البغدادي 0
ـ 99 ـ
(1) مدرسة الكوفة ، ص 163
(2) م 0 ن ، ص 79