3 -كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، قال النووي في شرحة لحديث جريج الراهب: إثبات كرامات الأولياء خلاف للمعتزلة ومنها: أن كرامات الأولياء تقع باختيارهم وطلبهم، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا المتكلمين علماء العقيدة، ومنهم من قال: إن كرامات الأولياء لا تقع باختيارهم وطلبهم، وفيه أن الكرامات قد تقع بخوارق العادات على جميع أنواعها، ومنعه بعضهم وادعي أنها تختص بمثل إجابة دعاء ونحوه، وهذا غلط من قائله وإنكار للحس، بل الصواب: جريانها بقلب الأعيان وإحضار الشيء من العدم ونحوه (4) [شرح النووي على مسلم 16/ 108] .
4 -إن الكرامة لا تدل أنّ صاحبها خير من الآخرين، بل قد تنقص الكرامة منزلة صاحبها عند الله بسبب الشهرة، وقد يدخل في النفس شيء من الإعجاب، ولذا كان كثير من الصالحين يستغفر عند ظهور الكرامة على يديه كما يستغفر من الذنب (5) [مجموع الفتاوى 11/ 300] .
5 -إن الكرامة يجعلها الله مخرجًا لأوليائه من شدتهم (6) [النووي/مسلم 16/ 108] . أو برهانًا على صدق دين الله أمام أعدائه.
6 -أن أولياء الله هم {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} سواء ظهر على أيديهم الكشف والأحوال و الكرامات أم لم تظهر.
7 -إن للدين علمًا وعملًا هو الميزان الذي يفرّق أولياء الرّحمن من أولياء الشيطان، فمن اتّبع الكتاب والسنّة فالخارق على يديه كرامة ومن عصى الله ورسوله فخوارقه شيطانيّة.
لقد كثرت الكرامات في العصور المتأخرة عنها في عهد الصحابة، وذلك لأن الكرامات لتثبيت الناس في إيمانهم ووصلهم بربهم، ولكن ما للمتأخرين كرامة إلاّ وللمتقدّمين خير منها.
سئل الإمام أحمد ما بال الصحابة لم ينقل عنهم من الكرامات ما نقل عمّا بعدهم، فقال: لقوّة إيمانهم (01) [حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النّبي المختار لابن البديع 1/ 185] .
وخوارق العادات إنما تكون لأمّة محمّد (صلّى الله عليه وسلّم) والمتّبعين له باطنًا وظاهرًا لحجة أو حاجة، فما لحجة لإقامة دين الله، والحاجة لما لا بدّ منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله.
ولذا لمّا كان الصّحابة رضوان الله عليهم مستغنين في علمهم بدينهم وعملهم به عن الآيات بما رأوه من حال الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) ونالوه من العلم، صار كل من كان عنهم أبعد -مع صحة طريقته- يحتاج إلى ما عندهم في علم دينه وعمله، فيظهر مع الأفراد في أوقات الفترات (بعد الناس عن دينهم) ما لا يظهر لهم ولا لغيرهم من حال ظهور النّبوة والدعوة (11) [مجموع الفتاوى 11/ 335] .
ولذا فإذا قلنا إن الكرامات التي تنزّلت على الأفغانيين في جهادهم أكثر من الآيات والكرامات التي تنزّلت على الصحابة والتابعين، فإنّ هذا متفق تمامًا مع ما يقوله سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.
كرامات الأولياء معجزة للنبي (صلّى الله عليه وسلم) :
أولياء الله المتّقون هم المقتدون بمحمّد (صلّى الله عليه وسلّم) فيفعلون ما أمر به، وينتهون عمّا عنه زجر، ويقتدون به فيما بني لهم أن يتبعوه فيه، فيؤيدهم بملائكته وروح منه ويقذف الله في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتّقين وخيار أولياء الله، كراماتهم لحجة في الدين، أو لحاجة بالمسلمين، كما كانت معجزات نبيهم (صلّى الله عليه وسلّم) كذلك (1) . [كتاب أصول العقيدة الإسلامية التي قررها الامام أبو جعفر احمد ابن سلامّة الازدي الطحاوي] .
وكرامات أولياء الله إنّما حصلت ببركة اتّباع رسوله (صلّى الله عليه وسلّم) -فهي في الحقيقة- تدخل في معجزات الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) مثل انشقاق القمر (2) [رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك] . وتسبيح الحصى في كفه (3) [رواه البزار والطبراني عن أبي ذر] . وحنين الجذع إليه (4) [رواه مسلم عن جابر] . وإخباره ليلة المعراج بصفة بيت المقدس (5) [في الصحيحين] . وإخباره بما كان وما يكون (6) [في الصحيحين عن جابر قال -قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) كذبني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفت أخبرهم عن آياته وانظرإليه] . وإتيانه بالكتاب العزيز، وتكثير الطعام والشراب مرّات كثيرة، كما أشبع في الخندق العسكر من قدر طعام وهو لم ينقص، في حديث أم سليم المشهور (7) [أخرج مسلم من حديث له عن عمر بن الخطاب (فأخبرنا ما كان وما هو كائن فاعلمنا احفظنا) ] . وروى العسكر في غزوة خيبر (8) [في الصحيحين عن جابر] . من مزادة ماء ولم تنقص، ملأ أوعية العسكر عام تبوك من طعام قليل ولم ينقص، وهم نحو ثلاثين ألفًا ونبع الماء من بين أصابعه مرّات متعدده حتّى كفى الناس الذين كانوا معه كما كانوا في غزوة الحديبية بنحو ألف وأربعمائة أو خمسمائة (9) [في الصحيحين عن جابر] . وردّه لعين أبى قتادة حين سالت على خده فرجعت أحسن عينيه (10) [رواه الطبراني وابو يعلى قال الهيثمي في (المجمع) وفي اسناد الطبراني من لم اعرفهم وفي اسناد ابي يعلى الحماني وهو ضعيف] . ولمّا أرسل محمّد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف فوقع وانكسرت رجله فمسحها فبرأت (11) [الذي في البخاري أنّ الذي كسر رجله فمسحها رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) فبرأت هو عبد الله بن عتيك الذي بعثه رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لقتل أبي رافع وأما محمّد بن مسلم فقد قتل كعبًا ولم تكسر رجله] . وأطعم من مائة وثلاثين رجلًا كلًا منهم حزّ قطعة، وجعل منها قطعتين شواء فأكلوا منها جميعهم ثم فضل فضله (12) [في