فضيلة الشيخ / حامد العلي قال: نعم هي حقيقة رغم أنف منكريها من الجهلة، والذين في قلوبهم مرض، وأهل الزندقة، والبدع.
و كرامات الأولياء ثابتة بالكتاب والسنّة وإتفاق أهل السنّة.
لكن من الناس من يكذّب بها مطلقًا كالمعتزلة، ومنهم من يثبت لكل من وقع له خارق للعادة بأنه ولي لله تعالى، كما يكثر ذلك في المنتسبين إلى التصّوف البدعي، وقد يكون من أولياء الشيطان، وما وقع له هو من جنس أفعال الشياطين التي لايقدر عليها البشر.
ولمّا كانت الكرامات آيات من الله، يثبّت بها قلوب المؤمنين، كما أنها تأتي لحاجة المسلمين، فهي تكثر في الجهاد في سبيل الله تعالى، حيث تعظم حاجة القلوب إلى التثبيت، وحاجة المسلمين إلى الفرج والنصر، ولهذا ذكر الله تعالى الكرامات في القرآن عند ذكر جهاد النّبي) صلّى الله عليه وسلم) والصحابة ومعلوم عند أهل العلم والجهاد، أنّ حصول الكرامات في ساحات الجهاد في كل عصر، كثير جدًا، حتّى لقد تواتر، وفي هذا العصر حصل من ذلك ما تواتر أيضًا، وإن كان قد اختلط أيضًا بروايات لم تثبت، وبقصص فيها مبالغات لاتخفى، لكن حصول الخطأ والمبالغة في النقل لايقتضي بطلان ما ثبت من ذلك بنقل الثقات.
وقد سمعت بنفسي ممن رأى من الكرامات الباهرة، في الجهاد الأفغاني، وفي البوسنة، وفي العراق، ممن أعرفهم بالصدق، والصلاح، والتثبت في النقل، ما لا ينكر جنسه إلاّ جاهل، أو متبع لهواه أو هوى غيره ممن يرجوهم أو يخافهم، أما في فلسطين فقد حدثنا النقلة ممّن لانتهم عمّن شهدها، وذلك مما يفيد العلم بلا ريب، كما تفيد الأخبار الموثوقة التي تأتي من غير وجه، ولا ينكر إفادتها ذلك إلاّ جاهل أو صاحب هوى عافانا الله.
أما في السنّة: فقال (صلّى الله عليه وسلّم) لأبي بكر -وهما في العريش- يوم بدر وقد رأى جبريل: (أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثنايا النقع) (1)
أمّا من أقوال الصحابة فقد قال ابن مسعود رضى الله عنه: كنا نعد الآيات بركة.
{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} الجاثية6
ومن أقوال الفقهاء قول الشاطبي في الموفات (2) تفيد الكرامات والخوارق لأصحابها يقينًا وعلمًا بالله تعالى وقوّة فيما هم عليه.
قال الطحاوي: قوله ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم.
قال ابن أبي العز في الشرح: فالمعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة و كذلك الكرامة في عرف أئمة أهل العلم المتقدمين.
ولكن كثير من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما فيجعلون المعجزة للنبي والكرامة للولي وجماعها الأمر الخارق للعادة.
فصفات الكمال ترجع الى ثلاثة العلم والقدرة والغني.
وهذه الثلاثة لا تصلح على الكمال إلاّ لله وحده فإنه الذي أحاط بكل شيء علمًا وهو على كلّ شيء قدير وهو غني عن العالمين، ولهذا أمر النّبي أن يتبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله"قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلاّ ما يوحى إلي"،وكذلك قال نوح عليه السلام فهذا أول أولي العزم، رسول بعثه الله الى أهل الأرض، وهذا خاتم الرسل، وخاتم أولي العزم، وكلاهما تبرأ من ذلك.
وهذا لأنهم يطالبونهم تارة بعلم الغيب، كقوله تعالى" {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَاتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} الأعراف187"
وتارة بالتأثير كقوله تعالى:" {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا} الإسراء90 وتارة يعيبون عليهم الحاجة البشرية كقوله تعالى {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} الفرقان7، فأمر الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) أن يخبرهم بأنه لا يملك ذلك وإنّما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله فيعلم ما علمه الله إياه ويستغني عما أغناه عنه، ويقدر على ما أقدره عليه من الأمور المخالفة للعادة المطردة، أو لعادة أغلب الناس، فجميع المعجزات و الكرامات، ما تخرج عن هذه الأنواع."
ثم الخارق إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين، كان من الأعمال الصالحة المأمور بها دينًا، وشرعًا إمّا واجب أو مستحب، وإن حصل به أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكرًا، وإن كان على وجه يتضمّن ما هو منهي عنه، نهي تحريم أو نهي تنزيه، كان سببًا للعذاب، أو البغض، كالذي أوتي الآيات فانسلخ منها بلعام بن باعورا لاجتهاد، أو تقليد، أو نقص عقل، أو علم، أو غلبة حال، أو عجز، أو ضرورة.
فالخارق ثلاثة أنواع: محمود في الدين، ومذموم، ومباح.