الصفحة 5 من 49

فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة، و إلاّ فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها، قال أبو علي الجوزجاني كن طالبًا للاستقامة، لا طالبًا للكرامة فإنّ نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربّك يطلب منك الاستقامة.

قال الشيخ السهروردي في عوارفه: وهذا أصل كبير في الباب فإنّ كثير من المجتهدين المتعبدين سمعوا السّلف الصالحين المتقدمين، وما منحوا به من الكرامات، وخوارق العادات، فنفوسهم لا تزال تتطلع الى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئا منه، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب، متهما لنفسه في صحة عمله، حيث لم يحصل له خارق، ولو علموا بسرّ ذلك لهان عليهم الأمر، فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابًا، والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينًا فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا، والخروج عن دواعي الهوى، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة في كل الكرامة.

ولا ريب لأنّ للقلوب من التأثير أعظم مما للأبدان، لكن إن كانت صالحة كان تأثيرها صالحًا، وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدًا، فالأحوال يكون تأثيرها محبوبًا لله تعالى تارةً ومكروهًا لله أخرى.

وقد تكلّم الفقهاء في وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن، وهؤلاء يشهدون بواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني، ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم أنه كرامة من الله له، ولا يعلمون أنه في الحقيقة انّما الكرامة لزوم الاستقامة، وأنّ الله تعالى لم يكرم عبدًا بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه، ويرضاه، وهو طاعته وطاعة رسوله (صلّى الله عليه وسلّم) وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} يونس62 وأما ما يبتلي الله به عبده من السر بخرق العادة، أو بغيرها، أو بالضرّاء، فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه، ولا هوانه عليه، بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوه، وشقي بها قوم إذا عصوه، كما قال تعالى {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} الفجر15

ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام:

قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة.

وقسم يتعرّضون بها لعذاب الله.

وقسم يكون في حقّهم بمنزلة المباحات كما تقدّم.

وتنوع الكشف والتأثير، باعتبار تنوّع كلمات الله، وكلمات الله نوعان: كونيّة، ودينيّة، فكلماته الكونية، هي التي استعاذ بها النّبي (صلّى الله عليه وسلّم) في قوله أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن برّ ولا فاجر قال {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} يس82 وقال تعالى: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} هود119

والكون كله داخل تحت هذه الكلمات وسائر الخوارق، والنوع الثاني: الكلمات الدينيّة وهي القرآن، وشرع الله، الذي بعث به رسوله (صلّى الله عليه وسلّم) ، وهي أمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منها العلم بها، والعمل، والأمر بما أمر الله به، كما أن حظ العباد عمومًا وخصوصا ً العلم بالكونيات، والتأثير فيها أي بموجبها فالأولى تدبيره كونيَة والثانية شرعيَة دينيَة.

فكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية.

وقدرة الأولى التأثير في الكونيات إما في نفسه كمشيه على الماء، وطيرانه في الهواء، وجلوسه في النار، وإما في غيره بإصحاح، وإهلاك، وإغناء، وإفقار.

وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات: إما في نفسه بطاعة الله ورسوله، والتمسك بكتاب الله وسنّة رسوله باطنًا وظاهرًا، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله، فيطاع في ذلك طاعة شرعيّة.

فإذا تقرر ذلك فاعلم أن عدم الخوارق علمًا وقدرةً لا تضرّ المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخّر له شيء من الكونيّات لا ينقص ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له، فإنه إن اقترن به الدين، و إلاّ هلك صاحبه في الدنيا والآخرة.

فإنّ الخارق قد يكون مع الدين، وقد يكون مع عدمه، أو فساده، أو نقصه، فالخوارق النافعة تابعة للدين خادمة له، كما أن الرياسة النافعة هي التابعة للدين، وكذلك المال النافع كما كان السلطان، والمال النافع، بيد النّبي وأبي بكر وعمر، فمن جعلها هي المقصودة، وجعل الدين تابعًا لها، ووسيلة إليها، لا لأجل الدين في الأصل، فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين، وليست حاله كحال من تدين خوف العذاب، أو رجاء الجنّة، فإنّ ذلك ما هو مأمور به، وهو على سبيل نجاة وشريعة صحيحة، والعجب أنّ كثيرًا ممن يزعم أن همّه قد ارتفع عن أن يكون خوفًا من النار، أو طلبًا للجنّة، يجعل همّه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا، ثم إن الدين إن صح قولًا، وعملًا، لابدّ أن يوجب خرق العادة، إذا احتاج إلى ذلك صاحبه، قال تعالى:"وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (الطلاق) ."وقال تعالى: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إَن تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} الأنفال29 وقال تعالى وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت