فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا النساء66 وقال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} يونس64، وقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) :"اتّقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"ثم قرأ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} الحجر75 رواه الترمذي من رواية أبي سعيد الخدري.
وقال تعالى فيما يرويه عنه رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) :"من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب اليّ بالنّوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت في شيء أنا فاعله، ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بدّ له منه، فظهر أنّ الاستقامة حظّ الرّب، وطلب الكرامة حظّ النفس، وبالله التوفيق."
وقول المعتزلة في إنكار الكرامة ظاهر البطلان فإنه بمنزلة إنكار المحسوسات، وقولهم لو صحت لأشبهت المعجزة، فيؤدي الى التباس النّبي بالولي، وذلك لا يجوز، وهذه الدعوى إنّما تصح إذا كان الولي يأتي بالخارق ويدعي النّبوة، وهذا لا يقع ولو ادّعى النّبوة لم يكن وليًا، بل كان متنبّئًا كذّابًا، وقد تقدّم الكلام في الفرق بين النّبي والمتنبىء عند قول الشيخ وأن محمّدًا عبده المجتبي ونبيّه المصطفى (صلّى الله عليه وسلّم) .
وممّا ينبغي التنبيه عليه هنا، أنّ الفراسة ثلاثة أنواع: إيمانيّة وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده، وحقيقتها أنّها خاطر يهجم على القلب يثب عليه كوثوب الأسد على الفريسة، ومنها اشتقاقها وهذه الفراسة على حسب قوّة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانًا فهو أحدّ فراسة، قال أبو سليمان الداراني _رحمه الله _الفراسة مكاشفة النفس، ومعاينة الغيب، وهي من مقامات الإيمان.
وفراسة رياضيّة، وهي التي تحصل بالجوع، والسهر، والتّخلي، فإنّ النّفس إذا تجرّدت عن العوائق، صار لها من الفراسة، والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن، والكافر، ولا تدلّ على إيمان، ولا على ولاية، ولا تكشف عن حقّ نافع، ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها من جنس فراسة الولاة، وأصحاب عبادة الرؤساء، والأظنّاء، ونحوهم، وفراسة خلقيّة وهي التي صنّف فيها الأطبّاء وغيرهم واستدلّوا بالخلق على الخلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكبره على كبره، وسعة الصدر على سعة الخلق، وبضيقه على ضيقه وبجمود العينين وكلا نظرهما على بلاده صاحبهما، وضعف حرارة قلبه ونحو ذلك.
أعظم كرامة هي الإعانة على الطاعة:
قال شيخ الإسلام:"لم يكرم الله عبدًا بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه، و يزيده مما يقربه إليه، ويرفع به درجته".
ربما كانت الخوارق من الشياطين:
قال شيخ الإسلام:"ولمّا كانت الخوارق كثيرًا ما تنقص بها درجة الرجل كان كثير من الصالحين يتوب من مثل ذلك ويستغفر الله تعالى كما يتوب من الذنوب: كالزنا والسرقة والتعرض على بعضهم فيسأل الله زوالها وكلهم يأمر المريد السالك أن لا يقف عندها ولا يجعلها همته ولا يتبجح بها، مع ظنهم أنها كرامات فكيف إذا كانت بالحقيقة من الشياطين تغويهم بها فإني أعرف من تخاطبه النباتات بما فيها من المنافع وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها وأعرف من يخاطبهم الحجر والشجر وتقول: هنيئا ًلك يا ولي الله فيقرأ آية الكرسي فيذهب ذلك. وأعرف من يقصد صيد الطير فتخاطبه العصافير وغيرها وتقول: خذني حتّى يأكلني الفقراء ويكون الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في الإنس ويخاطبه بذلك ومنهم من يكون في البيت وهو مغلق فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح وبالعكس وكذلك في أبواب المدينة وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة أو تمر به أنوار أو تحضر عنده من يطلبه ويكون ذلك من الشياطين يتصورون بصورة صاحبه فإذا قرأ آية الكرسي مرة بعد مرة ذهب ذلك كله."
وأعرف من يخاطبه مخاطب ويقول له أنا من أمر الله ويعده بأنه المهدي الذي بشّر به النّبي (صلّى الله عليه وسلّم) ويظهر له الخوارق مثل أن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد في الهواء، فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير أو الجراد يمينًا أو شمالًا ذهب حيث أراد وإذا خطر بقلبه قيام بعض المواشي أو نومه أو ذهابه حصل له ما أراد من غير حركة منه في الظاهر وتحمله إلى مكة وتأتي به وتأتيه بأشخاص في صورة جميلة وتقول له هذه الملائكة الكروبيون أرادوا زيارتك فيقول في نفسه: كيف تصوروا بصورة المردان فيرفع رأسه فيجدهم بلحى ويقول له علأمّة إنك أنت المهدي إنك تنبت في جسدك شأمّة فتنبت ويراها وغير ذلك وكله من مكر الشيطان، وهذا باب واسع لو ذكرت ما أعرفه منه لاحتاج إلى مجلد كبير"."
الكرامة تأتي لحجّة في الدين أو حاجة المسلمين:
وقال:"وخيار أولياء الله كراماتهم لحجة في الدين أو لحاجة بالمسلمين كما كانت معجزات نبيهم (صلّى الله عليه وسلّم) كذلك، وكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباع رسوله (صلّى الله عليه وسلّم) فهي في الحقيقة تدخل في معجزات"