اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم فمرّوا كلهم على الماء ما ابتلت سروج خيولهم، ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات فلم يجدوه في اللحد.
وجرى مثل ذلك"لأبي مسلم الخولاني"الذي ألقي في النار فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي ترمى بالخشب من مدها ثم التفت إلى أصحابه فقال: تفقدون من متاعكم شيئا حتّى أدعو الله عزّ وجلّ فيه فقال بعضهم: فقدت مخلاة فقال اتبعني فتبعه فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها وطلبه الأسود العنسي لمّا ادّعى النّبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ .. قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمّدًا رسول الله؟ قال نعم، فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائمًا يصلي فيها وقد صارت عليه بردًا وسلامًا، وقدم المدينة بعد موت النّبي (صلّى الله عليه وسلّم ) ) فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتّى أرى من أمّة محمّد (صلّى الله عليه وسلّم) من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله، ووضعت له جارية السمّ في طعامه فلم يضرّه.
وخببت امرأة عليه زوجته، فدعا عليها فعميت وجاءت وتابت، فدعا لها فرد الله عليها بصرها.
وكان"عامر بن عبد قيس"يأخذ عطاءه ألفي درهم في كمه وما يلقاه سائل في طريقه إلاّ أعطاه بغير عدد ثم يجيء إلى بيته، فلا يتغير عددها ولا وزنها.
ومّر بقافلة قد حبسهم الأسد فجاء حتّى مس بثيابه الأسد، ثم وضع رجله على عنقه وقال: إنّما أنت كلب من كلاب الرحمن وإني أستحي أن أخاف شيئا غيره ومرّت القافلة ودعا الله تعالى أن يهون عليه الطهور في الشتاء فكان يؤتى بالماء له بخار ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلاة فلم يقدر عليه .. !
وتغيّب"الحسن البصري"عن الحجاج فدخلوا عليه ست مرات فدعا الله عز وجل فلم يروه ودعا على بعض الخوارج كان يؤذيه فخرّ ميتًا .. !
و"صلة بن أشيم"مات فرسه وهو في الغزو فقال اللّهم لا تجعل لمخلوق علي منّة ودعا الله عزّ وجلّ فأحيا له فرسه، فلمّا وصل إلى بيته قال يا بني خذ سرج الفرس فإنه عارية فأخذ سرجه فمات الفرس وجاع مرة بالأهواز فدعا الله عز وجل واستطعمه فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير فأكل التمر وبقي الثوب عند زوجته زمانا. ً
وجاء الأسد وهو يصلي في غيضة بالليل فلمّا سلّم قال له: اطلب الرزق من غير هذا الموضع فولى الأسد وله زئير.
وكان"سعيد بن المسيب"في أيّام الحرة يسمع الأذان من قبر رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم (أوقات الصلوات وكان المسجد قد خلا فلم يبق غيره.
ورجل من"النخع"كان له حمار فمات في الطريق فقال له أصحابه هلم نتوزع متاعك على رحالنا فقال لهم: أمهلوني هنيهة ثم توضأ فأحسن الوضوء وصلّى ركعتين ودعا الله تعالى فأحيا له حماره فحمل عليه متاعه.
ولمّا مات"أويس القرني"وجدوا في ثيابه أكفانا لم تكن معه قبل ووجدوا له قبرًا محفورًا فيه لحد في صخرة فدفنوه فيه وكفنوه في تلك الأثواب.
وكان"عمرو بن عقبة بن فرقد"يصلي يومًا في شدّة الحر فأظلته غمامة وكان السّبع يحميه وهو يرعى ركاب أصحابه لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أنه يخدمهم.
وكان"مطرف بن عبد الله بن الشخير"إذا دخل بيته سبّحت معه آنيته وكان هو وصاحب له يسيران في ظلمة فأضاء لهما طرف السوط.
ولمّا مات الأحنف بن قيس وقعت قلنسوة رجل في قبره فأهوى ليأخذها فوجد القبر قد فسح فيه مد البصر.
وكان"إبراهيم التيمي"يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئًا وخرج يمتار لأهله طعامًا فلم يقدر عليه فمرّ بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله ففتحها فإذا هي حنطة حمراء فكان إذا زرع منها تخرج السّنبلة من أصلها إلى فرعها حبًا متراكبًا.
وكان"عتبة الغلام"سأل ربه ثلاث خصال صوتًا حسنًا ودمعًا غزيرًا وطعامًا من غير تكلّف، فكان إذا قرأ بكى وأبكى ودموعه جارية دهره وكان يأوي إلى منزله فيصيب فيه قوته ولا يدري من أين يأتيه.
وكان"عبد الواحد بن زيد"أصابه الفالج فسأل ربه أن يطلق له أعضاءه وقت الوضوء فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه ثم تعود بعده.
وأمّا ما نعرفه عن أعيان ونعرفه في هذا الزمان فكثير ...
الجهاد قائم على الجهد البشري:
إن حياة الجهاد قائمة على الجهد البشري، من عرق ودم وتعب وسهر وعذاب وآلام، إنها قائمة على أعصاب البشر، التي تحترق لتنير خط الجهاد وعلى أحزان ومخاوف، إضافة إلى دماء الأبرياء وأرواح الشّهداء وتناثر الأشلاء، كل هذه هي وقود المعركة وماء شجرتها وحياة عروقها.