فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 187

وهكذا سائر الكفار، ومعلوم أن ذلك ليس بنافعهم عند الله ولا وهو بمانع من تكفيرهم في الدنيا، وعلى كل حال، فتقييد التكفير بالاعتقاد هو مذهب غلاة المرجئة الذين يرون الإيمان اعتقاد القلب وحده فقط ومن ثم فلا يكون الكفر في مذهبهم إلا بالاعتقاد، وانظر تفصيل هذا في كتابنا (إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر) .

أضف إلى هذا أن الاعتقاد أمر مغيب في القلب غير ظاهر ولا يمكن ضبطه ما دام كذلك .. ولذلك لم يعتبره الشارع كمانع من موانع التكفير في أحكام الدنيا فقد تقدم في تعريف المانع: (انه وصف وجودي ظاهر منضبط يمنع ثبوت الحكم) فما لم يكن كذلك، فليس بمانع من موانع التكفير ولا دخل لنا به في أحكام الدنيا ..

4 -وليس من موانع التكفير، كون من كفر بسبب من أسباب الكفر أو ناقض من نواقض الإسلام يلتزم بعض شرائع الإسلام كالصلاة أو الإقرار بالشهادتين أو نحوهما [1] ..

فهذا لا يمنع من تكفيره لأنه لم يكفر من جهة الامتناع عن شيء من الشرائع المذكورة .. وإنما كفر بسبب أخر غير ذلك ..

وقد ذكر الله تعالى في كتابه أن للمشركين أعمالًا، وأن بعضهم عنده من شعب الإيمان أشياء لم تنفي عنه الشرك كما قال: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}

وبين في موضع آخر أن الشرك محبط لجميع تلك الأعمال فقال تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

ومعلوم ان الإنسان يدخل الإسلام بالإقرار بالشهادتين ثم لا يستمر إسلامه ولا تدوم عصمته إلا بالمحافظة على مجموع شعب هي أصل الإيمان .. بينما يحبط ذلك كله بسبب واحد من أسباب الكفر.

ومن الأدلة الواضحة على أن هذا الأمر ليس من الأعذار المقبولة عند الله تعالى ولا هو من موانع التكفير ..

قوله تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} التوبة 65 - 66.

فإنها نزلت في شأن أناس كانوا من المصلين المقرين بالشهادتين قد خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم مجاهدين في غزوة هي من أشهر وأعسر غزوات المسلمين .. ثم لما قالوا ما قالوا من أسباب الكفر وهو الاستهزاء بالنبي وأصحابه من حملة القرآن؛ كفرهم الله بهذا السبب، ولم يمنع من تكفيرهم إقراراهم بالشهادتين ولا الصلاة ولا الجهاد ولا غيره من شعب الإيمان التي كانت عندهم.

وعلى هذا فلو نطق المرتد الذي كفر بسبب نصرته للشرك والمشركين للشهادتين حال قتاله، لم يعصم ذلك دمه ولم يمنع من قتله لأنه لم يكفر بالامتناع عن الإقرار بها كي يقاتل عليها، وحتى يكون حكمه حكم من قتله أسامة بن زيد لما قالها .. بل هو يقولها ويقر بها ليل نهار، وربما كان من المصلين، فليس هذا سبب كفره الذي قوتل عليه، و إنما سبب كفره الذي قوتل عليه هو تولي

(1) فكيف بما هو دون ذلك من القشور وسفاسف الأمور التي يعتبرها البعض موانع من تكفير الطواغيت المحاربين للملة؛ كتسمية الشوارع أو المدارس أو المعارك بأسماء الصحابة أو نحو ذلك من الأسماء الإسلامية، وهو الشيء اعتبره الشيخ الألباني مانعا من موانع تكفير طاغوت العراق لما سئل عنه في بعض فتاواه المسجلة صوتيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت