قال ابن حجر في فوائد هذا الحديث [وفيه الترجيح بالأكثر عددا والأكثر تجربة لرجوع عمر لقول مشيخة قريش مع ما انضم إليهم ممن وافق رأيهم من المهاجرين والأنصار، فإن مجموع ذلك أكثر من عدد من خالفه من كل من المهاجرين والأنصار، وَوَازَنَ ما عند الذين خالفوا ذلك من مزيد الفضل في العلم والدين ما عند المشيخة من السن والتجارب، فلما تعادلوا من هذه الحيثية رجح بالكثرة ووافق اجتهادُه النصَّ، فلذلك حمد الله تعالى على توفيقه لذلك] [1] .
قلت: ففائدة الأغلبية هي الترجيح عندما لا يستطيع الأمير أن يَبُثَّ في الأمر برأيه، ولا أن نقول إنها ملزمة له، لما فصلناه من قبل. ويدل على هذا أيضا أن أبا بكر - رضي الله عنه - لم يلتفت إلى المشورة عندما عزم على قتال مانعي الزكاة لما قويت عنده الحجة على ذلك وقد كانت حجة أبي بكر في قتالهم اجتهادية، إذ لم يحضره النص الوارد في قتالهم وهو حديث ابن عمر مرفوعا: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ» [2] ، حتى لقد شَكَّك البعض في صحة هذا الحديث بأنه لو كان صحيحا لعرفه أبو بكر وعمر ولاحتج أبو بكر به لحَسْم الخلاف، ورد ابن حجر على هذا بأن [السُّنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة ويطلع عليها أحادهم] [3] . وقد عقد البخاري رحمه الله بابا مستقلا في كتاب الاعتصام من صحيحه لهذه المسألة وهو (باب 22 ـ الحجة على من قال إن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة، وما كان يغيب بعضهم عن مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الإسلام) وقوله (بعضهم) أي بعض الصحابة، ثم ساق رحمه الله الأدلة على ذلك [4] .
وإليك عبارة البخاري في عدم التفات أبي بكر إلى الشورى لما قويت عنده الحجة، كما أوردها في كتاب الاعتصام (باب 28) ، قال رحمه الله: [ورأي أبو بكر قتال من مَنَعَ الزكاة فقال عمر: كيف تقاتل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَإِذَا قَالُوا لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ تَابَعَهُ بَعْدُ عُمَرُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى مَشُورَةٍ إِذْ كَانَ عِنْدَهُ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَأَرَادُوا تَبْدِيلَ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ» أ هـ. علما بأن حجة أبي بكر كانت اجتهادية ولم تكن نَصِّية كما سبق.
وإضافة إلى استدلال ابن حجر بحديث شورى عمر في الطاعون على أن الكثرة تفيد الترجيح، عندي دليل آخر وهو قصة مبايعة عثمان بن العفان بالخلافة رضي الله عنه. فقد ورد في حديث البخاري عن المِسْوَر بن مَخْرَمة قال: «وَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي ـ إلى قوله ـ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ يَا عَلِيُّ إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ» [5] . ففي هذه القصة توفر الشرطان اللذان أشرت إليهما في اعتبار رأي الأغلبية، وهو أن يكون في أمر اجتهادي لا نص فيه، وأن الأمير لم يَبُتّ برأيه ووكل الأمر إلى أهل الشورى ففي هذه القصة لم يبت عمر - رضي الله عنه - برأيه ووَكَلَ إليهم الاختيار. وموضع الدلالة من الحديث هو قول عبد الرحمن بن عوف (إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ) وتمت بيعة عثمان على هذا. ففي هذا الترجيح برأي الأغلبية ووافقه على ذلك بقية الصحابة حتى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. فهذا الحديث يعتبر حجة في الترجيح بالأغلبية بالشروط التي أشرت إليها، كما أ، هذه المسألة يمكن أن تدخل في إجماعات الصحابة رضي الله عنهم لهذا الحديث. ولم أر من نبه على هذا من قبل فيما أعلم، فللّه الحمد والمنة. وقد أورد البخاري في حديث المسور بن مخرمة حديثا رواه
(1) - (فتح الباري) ج 10 ص 190
(2) - الحديث متفق عليه
(3) - فتح الباري 1/ 76
(4) - فتح الباري 13/ 320 ـ 323
(5) - الحديث 7207