فهرس الكتاب
وينعطف الجبرتي ثانية فيذكر عفاف الوهابيين حين دانت لهم مكة وشريفها، واقتصار شأنهم على الأمر بالمعروف وتصحيح العقائد ونبذ البدع، فيقول في أحداث سنة 1221 هـ: (وفي هذه الأيام أيضًا وصلت الأخبار من الديار الحجازية بمسالمة الشريف غالب للوهابيين، وذلك لشدة ما حصل لهم من المضايقة الشديدة وقطع الجالب عنهم من كل ناحية…فلم يسع الشريف إلا مسالمتهم والدخول في طاعتهم وسلوك طريقتهم) ، (وأمر بمنع المنكرات والتجاهر بها وشرب الاراجيل بالتنباك في المسعى وبين الصفا والمروة) ، (وإبطال المكوس والمظالم، وكانوا(1) خرجوا عن الحدود في ذلك حتى أنَّ الميت يأخذون عليه خمسة فرانسة (2) ، وعشرة، بحسب حاله، وإن لم يدفع أهله القدر الذي يتقرر عليه فلا يقدرون على رفعه ودفنه، ولا يتقرب إليه الغاسل ليغسله حتى يأتيه الإذن، وغير ذلك من البدع والمكوس والمظالم التي أحدثوها على المبيعات والمشتروات على البائع والمشتري، ومصادرات الناس في أموالهم ودورهم، فيكون الشخص من سائر الناس جالسًا بداره، فما يشعر على حين غفلة منه إلا الأعوان يأمرونه بإخلاء الدار وخروجه منها، ويقولون أن سيد الجميع (3) محتاج إليها، فإما أن يخرج منها جملة وتصير من أملاك الشريف، وإما أن يصالح عليها بمقدار ثمنها أو أقل أو أكثر، فعاهده (4) على ترك ذلك كله واتباع ما أمر الله به في كتابه العزيز من إخلاص التوحيد لله وحده واتباع سنة الرسول-عليه الصلاة والسلام-وما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون إلى آخر القرن الثالث، وترك ما حدث في الناس من الالتجاء لغير الله من المخلوقين الأحياء والأموات في الشدائد والمهمات، وما أحدثوه من بناء القباب على القبور والتصاوير والزخارف
(1) أي الشريف غالب وجماعته-لا الوهابية-، وبقية النص توضح ذلك.
(2) أي ريال فرنسي، وكان التعامل به سائدًا آنذاك.
(3) أي الشريف غالب.
(4) أي عاهد الشريفُ رئيسَ الوهابية.