فهرس الكتاب
النقابات والجمعيات، وهذا يوضح أنَّ الإيمان في أصلهِ مسؤولية فردية لا يصحُ فيها توكيل الغير ولا التبرع بحمل تكاليف الإيمان نيابةً عن الغير، بل كلُ امرئٍ بما كسب رهين، كما نطق القرآن الكريم، فمن طلب العدل والمساواة والأمن والاستقرار والحرية وحفظ مصالح البلاد الكبرى: فليصلح نفسه أولًا ثمَّ ليترجم ذلك في صورة انحياز شامل لخطط المؤمنين وأحزابهم وتنظيماتهم، وتلك هي حقيقة الولاء والبراء، ولا يصحُ أبدًا أن يبخس المؤمن دورهُ الذاتي الشخصي في عملية الإصلاح، فإنه دورٌ كبير وحاسم ما دام يوالي ويبرأ، وواهمٌ هذا الذي يُصلي ثمَّ يبيع صوته أو جهدهُ أو كلمته لمنحرف ووكيلٍ لمحتل، لأنَّ البركة الربانية هي التي تجعله ينعم ويرفل برزقٍ من السماء تحملهُ الملائكة إذا باع واشترى وتعامل مع الله، وأما ملايين تأتي بها الشبهات فإنها محرومة من البركة، فتزول سريعًا ويبقى وزرها، وهذا التفريق يشهدهُ كل قلب سليم، ولا حاجة لكي نستطرد في الشرح والبيان، وكل امرئٍ فقيهُ نفسه، وعند الله تجتمع النوايا، وسيخيبُ من افترى كذبًا وحادَّ ومالَ ومشى برجلٍ عرجاء، لكنَّ الراكض نحو أرض البراء والجهاد هو الفائز، وكفى.
وهذا المرض ليس بالجديد في أمتنا، بل هو قديمٌ منذ أيام التراجع بعد القرون الفاضلة الأولى، فقد نقل ابن مفلح عن ابن عقيل الحنبلي أنه قال: (إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة) (1) .
(1) الآداب الشرعية لابن مفلح 1/268.