فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 74

فإسلام المسلم عنده: ليس السباق إلى المسجد ومكة، ولكن هو الولاء السياسي والفكري لله ولرسوله ولأئمة الإسلام في عصره، من الدعاة العاملين وأحزاب الله، ثمَّ البراء من أئمة السوء وأحزاب الشيطان، وكأنه ينقد زماننا، فكم من حزبٍ علماني يسنده حاجٌ وراكع، وكم من داعيةٍ مؤمنٍ أول مَن يكذبه الساجدون، لقلة الفقه وانحراف القلب وانقلاب الموازين-والعياذ بالله-، (وهذا يدلُ على برودة الدينِ في القلب) كما قال ابن عقيل معقبًا، ولسنا نقول بكفر مخلط جمع بين التكبير والهتاف لزعيمٍ ماجن، ولكنه افتقاد حرارة الإيمان والذهول عن موازين الشرع، والسبب في ذلك هو إلهام الفجور في النفس حين يكون صاحبها هينًا لينًا ليس لهُ صبرٌ على ضرائب ما تُلهمه التقوى، من التضحية والصبر والزهد بالمال والمنصب والجاه، وتزداد ظواهر وآثار هذه المحنة إذا كان من لهُ طرفٌ من العلم الشرعي عامي المزاج والسلوك والأمنيات، فإنه يوجد رهطٌ من مثل هؤلاء في كل جيل ومع كل حاكم، حتى رصد ابن الجوزي أنهم: (ترخصوا، وتأولوا، وخالطوا السلاطين، فذهبت بركة العلم) (1) ، وهي تفسيرُ بعض قصة جفاف العراق، فإنَّ البعض خالطوا السلطان"صدام"، ووجدوا لهم في التأول سندًا، ثمَّ نزلوا ثانيةً فخالطوا نائب السلطان، فخمدت الجذوة، ودخلوا الكهف البارد، وارتفعت بركة القول الشرعي، وذهبت حرارة آيات يتلونها، ولولا أنَّ الشباب الدعاة كانوا قد تلقفوا الراية لساء الحال، ولكنهم رفعوا الآذان بنبرةٍ عفيفة ورداءٍ نظيف، فعادت الحياة إلى قلوب الجيل.

وإنما ذلك من النفاق، وقد قال الله - سبحانه وتعالى - في وصف المنافقين: { كأنهم خُشبٌ مُسنّدة } .

قال ابن عقيل النحوي الحنبلي:

(أي مقطوعة مُمالة إلى الحائط، لا تقوم بنفسها، ولا هي ثابتة، إنما كانوا يستندون إلى مَن ينصرهم، وإلى مَن يتظاهرون به) (2) .

(1) الآداب الشرعية لابن مفلح 1/245.

(2) الآداب الشرعية لابن مفلح 1/7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت