فهرس الكتاب
ومع ذلك فإنَّ نفوسنا لها عزاءٌ أحيانًا عبرَ التأول بأنهم لم يبعدوا جدًا، لأنهم إنما يواكبون جهالات مسلم ظالم، ولكن ما بالُ أقوامٍ يبعد بهم التأول إلى أقاصي المنطق البارد فيطلبون من ينصرهم من ضباط الاحتلال الاستعماري والساسة الذين أغروه بغزو ديار الإسلام؟ بل غزو عاصمة الإسلام، عاصمة الرشيد؟!
ويكاد السائب الذي لا يحملُ الروح الدعوية الواثقة بأنَّ المستقبل محتكر لدين الإسلام وأهله: أن ييأس ويناله الإحباط حين يرى مثل هؤلاء المترخصين المقارفين للشبهات والمعاصي السياسية الغليظة، ولكن رجال الإيمان الوعاة وشباب الصحوة الإسلامية يعرفون ويميزون جيدًا أنَّ أصحاب الاختيارات الواطئة والمقاييس الدنيوية العمياء إنما هم بثلُ المجتمع، ووعاة المؤمنين تغشاهم سكنية يعلمون بها أنَّ التعويل والاستناد والأمل لا يقومُ على ثلةٍ قليلة منحرفة، وإنما ينتظرونه من وعاةٍ دعاةٍ علماء عاشوا في ظلال القرآن، وتخيلوا الجنة فاستراحوا تحت أفياء أغصانها، وهم عصبةٌ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وترفع راية الولاء للإسلام وتصيح صيحة البراء من الكافر المستعمر، وهي العصبة المباركة التي تقتدي بمثل الشيخ عمر المنصوري المتوفى سنة 1386هـ، وهو من علماء طرابلس (رحل إلى الأزهر…ولما احتل الطليان طرابلس كان في مقدمة المجاهدين..اشترك في كثير من المجالس والمؤتمرات التي أنيط بها في النظر في مصالح الوطن وإدارة الجهاد، وكان عزيز النفس، لم يدنس نفسه بالانتماء إلى الطليان) (1) .
(1) أعيان علماء ليبيا - ص379.