فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 74

وهذه العبارة الأخيرة تفصح عن ميزانٍ دعوي ثابت، الدعاة اليوم بحاجة ماسة إلى استذكاره بعدما روّج دعاة الواقعية معنى تجويز التقرب من الأميركان عندما استعمروا العراق وأفغانستان، مؤداه أنَّ انتماء العراقي إلى حملة الأميركان: دَنَس ووسخ ونجاسة، وكل ذلك ينافي عزة النفس، ولا يستثنى من ذلك غير مسلم جيد الإيمان له وعي في السياسة، يقبل منهم المنصب من أجل أن يقلل شرهم ويحفظ حقوق المسلمين، ويكون قد تقرّب منهم بقرار جماعي، ويمارس تحت رقابة جماعية.

المظنون: أنه ينتظرنا يوم أشد من يوم التعامل مع الأميركان، كأنه محتوم على العراق، وهو التعامل مع إسرائيل عبر معاهدة سلام، والتطبيع مع يهود، والحل إنما يكون عبر اللواذ بقاعدة الولاء والبراء وشرحها بأسانيدها القرآنية والحديثية وشواهدها من السيرة المصطفوية المطهرة وتاريخ الأمة، واستذكار قصص العلماء الوعاة، كمثل ما كان من الفقيه الليبي أحمد بن إبراهيم بن سحبان التاجوري المتوفى سنة 1276هـ الذي جدد إرساء هذه القاعدة من قواعد الوعي الدعوي حين شدّد على قضية تمحيض الولاء للمؤمنين، والبراء والبُعد عن اليهود والأجانب وأعداء الدين، وذلك لما استُفتي حول النظام القانوني الجديد الذي صدر في عهد السلطان العثماني محمود خان الثاني، ومنح الامتيازات للأجانب واليهود وملل أخرى، ولم يخضعهم للمحاكم الشرعية، وإضفاء عصمة لكل مسلم يدخل تحت حماية السفارات الأجنبية، فقال ابن سحبان-رحمه الله-:

(وأعجب العجب من المفاتي الفاتنين المفتونين من الديار التونسية الزاعمين أنهم حنفية(1) ، المادحين لهذا النظام، الذين هدموا بذلك دين الإسلام بقصيدة طويلة طويلة مطلعها:

نظامك أيها الملك الهُمام به للدينِ قدْ ظهر ابتسامُ

فقلتُ في الرد عليه:

(1) - يشير إلى أنَّ مذهب الدولة العثمانية كان هو مذهب أبي حنيفة، وأنَّ هؤلاء العلماء يجارونه ويحرصون على رضا السلطان الحنفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت