فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 74

وكان الخوارجُ في القديم قد احتلوا الكوفة وعاثوا في مسجدها قتلًا، وأمسكوا بأبي حنيفة النعمان بن ثابتٍ وهم لا يعرفونهُ، فموّه عليهم وزعم أنه نصرانيٌ، فقالوا لهُ إن قرآننا يقول: { وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمعَ كلام الله ثمَّ أبلغهُ مأمنه } فاظهر رفضه وزعم أنه يصرُ على نصرانيته، فسألوه عن منازل قومه فقال لهم إنه من دير كذا .. ، لمحل هو قرب المحمودية جنوب غرب بغداد الآن وكان يقع خارج سيطرة الخوارج، فأوصلوه إلى مأمنه ونجا. والذي نراه أن الفتنة التكفيرية اليوم بدأت تسلك مثل هذا المسلك، فينجو جنود المارينز من رصاصها، وتتوجه الرصاصات إلى الأتقياء الأبرياء من ذرية النعمان بن ثابت، وهو حال عجيب غريب يدع الحليم حيرانا، ويشيب له رأس الوليد، ولابدَّ لهؤلاء الشباب من وقفة مراجعة ومحاسبة للنفس وتدقيق لفتاوى رؤسائهم، فإنا نؤكد لهم أنهم على خطأ، جزمًا قطعًا، على جميع مذاهب المسلمين، فإنَّ العرش يهتز لقتل المؤمن، والدم حرام في شريعتنا الغراء وكل الشرائع، ومن مفاد الاستنباط أنه يكون من عمق عميق من معاني النص، وهو المفاد اللغوي لكلمة الاستنباط، ولكنا لا نجد ذلك العمق، وليس هناك غير آخذ بظواهر النصوص ومتشابه الألفاظ، وقال الفقهاء أنَّ استعمال كلمة الاجتهاد تعني أنَّ المجتهد قد استعمل كل جهده وطاقته العقلية للوصول إلى الرأي الصواب، وهذا يتطلب زمنًا وتفكيرًا متأنيا، وكان أبو حنيفة يحفظ الرأي المنقدح عنده في ذهنه سنة"كاملة"قبل أن يبوح به ويجعله اجتهادًا، ولسنا نرى مثل هذا التأني عند هؤلاء الشباب الجانحين للتكفير والقتل، بل نرى استعجالًا ونمطًا من الظاهرية التي لا تغوص إلى أعماق النصوص، ولا تعرف حكمة الشريعة ومقاصدها، وطريق التوبة منهم قريب، فلعلهم يكفون شرهم عن المسلمين ويتقون الله في الدماء، ولسنا نأبه أن يصفونا بكفر وزندقة، لأنَّ الله مطلع على سرائرهم وسرائرنا، وعلى علمنا وجزافهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت