فهرس الكتاب
وإن من المحركات القدرية للحياة: تنوع المناصب والأرزاق، بحيث لا يتاح تنقل المرء من منصب إلى منصب بسهولة، بل يحتاج جهدًا ووقتًا طويلًا إن أراد وصمم على الانتقال، وليس كل أحد يملكها، ثم يتعلق الأمر بالذكاء والقابليات الفطرية، فتجتمع الثلاثة لتقذف في قلوب العاجزين اليأس من ذلك، فيترجم اليأس إلى قناعة بالنصيب، يومًا بعد يوم، فتفرض هذه القناعة على صاحبها التجانس مع مجرى القدر ، ويعود إلى استسلام، لكن الطاقة المكبوتة في داخل نفس المستسلم تحركه لإنتاجٍ هو من لوازم استمرار منصبه الذي وضعه القدر فيه، فيكون هذا الإنتاج معلمًا واضحًا من معالم تحرك الحياة وحصول النبض فيها، ويتاح تأثير إيجابي يدفع أمثاله من الشركاء له في نوع المنصب إلى الاستفادة من نتاجه، كما يدفع أيضًا أصحاب المناصب الأخرى المغايرة إلى أن يجعلوا نتاجه وسيلة من وسائل إتقان أدائهم لعمل مناصبهم، أو حتى المثابرة ومحاولة الانتقال من منصب إلى آخر أرفع منه، أي من قَدَر إلى قَدَر، لوجود عامل الطموح فيهم، بشكل قوي فوَّار هو أقوى من أن يتركهم إلى استسلام كالذي أحاط بالأول، بل لا يقنعون، فيكون التحدي، وتكون محاولة القفز متغير الموقع، وقد تكون المحاولة في وقت يقل فيه المنافس، ولا تكون زحمة، فتكون إمكانية النجاح، وتتحرك الحياة حركة أخرى، وكل ذلك واضحٌ في أبيات الأديب ثعلب احمد بن يحيى حين يقول:
إنْ صحبنا الملوك تاهوا وعقوا واستخفوا كبرًا بحق الجليس
أو صَحبنا التجار صرنا إلى البؤس وعدنا إلى عداد الفلوس
فلزمنا البيوت نستخرج العلم ونملأ به بطون الطروس (1)
(1) الآداب الشرعية لابن مفلح 3/586.