فهرس الكتاب
إعماء الرأي العام الأمريكي
دأب الإعلام الحربي الأمريكي كتقليد ومنذ حرب فيتنام في التقليل من حجم الخسائر الحقيقية وذلك لاعتبارات تخص طبيعة الرأي العام الأمريكي، وشدة تأثيره على عملية صنع القرار السياسي وآليات تمويل الحروب التي عادة مايتحمل وزرها دافع الضرائب الأمريكي، إضافة إلى تأثير ذلك على معنويات الجنود في الميدان، ففي الفترة من 1965 - 1968 كان الجيش الأمريكي يعلن عن خسائره في فيتنام ببضعة آلاف من الجنود وما لبث أن تسربت الأرقام الحقيقية والتي وصلت إلى أكثر من ثلاثين ألف قتيل وسرعان ما أطاحت هذه الخسائر بالرئيس الأميركي آنذاك جونسون.
وفي العراق وحالما انبثقت المقاومة العراقية وتصاعدت عملياتها حاولت إدارة الاحتلال منذ البداية التقليل من شأن هذه المقاومة والتعتيم على حجم الخسائر الأمريكية بحجة عدم إعطاء العدو"المقاومة"انطباعا بأنها تحقق انتصارات. وعلى الرغم من الجهود الجبارة التي بذلتها الإدارة الأمريكية لإخفاء وتزوير المعلومات التي اعتبرتها سلاحا في المعركة بغرض إعماء الرأي العام الأمريكي، وذلك من خلال التعامل مع مستويين من المعلومات، الأول يمكن الوصول إليه ويتعلق بالأرقام الرسمية المعلنة والمتيسرة على المواقع الرسمية لوزارة الدفاع، والمستوى الثاني المحجوب ولا يمكن الوصول إليه إلا عبر قانون خاص بحرية الوصول إلى المعلومات FOIA لأنه يتضمن الخسائر الحقيقية البشرية والمادية وإعلانها ينطوي على مخاطر سياسية واقتصادية شديدة [1] ، أما الأسلوب الثاني الذي تمارسه الإدارة الأمريكية للتحكم بالرأي العام فانه يتمثل في السيطرة والتوجيه لأسطول الإعلام العالمي الذي تتحكم فيه، فضلا عن ممارسة الضغوط ترهيبا
(1) -* نشرت الدكتورة ليندا بيلمز في كانون الثاني 2007 ورقة عمل تحت عنوان (الجنود العائدون من العراق وأفغانستان: الاكلاف طويلة الأمد) ، وأوردت ضمن التقرير لغاية أيلول 2006 عدد الإصابات غير القاتلة بأكثر من خمسين ألف جريح، فتلقت باليوم الثاني اتصالا من وكيل وزارة الدفاع وليام وينكنفردر مستفسرا عن مصدر معلوماتها، فدلته على موقع وزارة المحاربين القدامى وموقع وزارته على الشبكة، وفي أعقاب المكالمة جرى تخفيض عدد الإصابات على المواقع من خمسين ألف إلى خمسة وعشرين ألف، فيما صار الدخول عل موقع وزارة الدفاع متعذرا. كتاب حرب الثلاث ترليونات دولار: جوزيف ستيغليتز وليندا بيلمز.