وكما قلت أولًا: فإن هذه التشكيلات الصوتية بحسب الفاصلة تنصب في وحدة موضوعية واحدة تتضح في كيفية اختيار المفردة ( صوتًا ودلالة وبنية وحالًا ) على طول السورة مما يحقق علاقات مترابطة داخل البنية الكلية ففي سورة الضحى قال تعالى: { ولسوف يعطيك ربُّكَ فترضى } ( الضحى: 11 ) حُذف المفعول الثاني لـ ( يعطيك ) وهو العطية والسبب
في ذلك أن السياق هو سياق ترضيه وتأميلٍ بالفضل العظيم فلو ذُكِرَ أي مفعولٍ يحدّدُ نوع العطية لخرجت بقية الأنواع منها فلو قيل يعطيك الرحمة أو الفضل أو الجنة …. الخ لما جاء
التعبيرعلى ما هو عليه الآن إذ كلّ ما يمكن أن يُتَصوّر من نِعَمٍ وعطايا يمكن أن يدخل تحت هذا المحذوف , فلا وجه لتحديد المقصود بالعطاء كما تقول بنت الشاطيء بل المفضل إطلاقه مسايرةً للبيان القرآني الذي لم يشأ أن يحدده ، فحَسْبُ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - الإعطاءُ الذي يرضيه
وليس وراء الرضى مطمح ولا بعده غاية … والأليق بجلال الموقف أن يُكتفى فيه بالرضى على ما أراد البيان القرآني وهو فوق كل تحديد ووراء كل وصفٍ (((1) )).
وفي التشكيل الأوّل: قال تعالى: { ما ودّعك ربُّك وما قلى } (الضحى:3 ) حيث حُذِفَ الضمير العائد على الرسول - صلى الله عليه وسلم - في (قلى ) إذ الأصل (قلاك ) ، وقد أضافت بنت الشاطيء
إلى مذهب الزمخشري والطبري وأبي حيان (((2) ))، مِن أن الحذف للاختصار اكتفاءً
بفهم السامع للمعنى إذ كان قد تقدم ذلك قوله: ما ودعك فَعُرِف أنّ المخاطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، سببًا ألطف وأدق وهو ( تحاشي خطابه تعالى لحبيبه المصطفى في مقام الإيناس: ما قلاك
لما في القلى من الطرد والأبعاد وشدة البغض أمّا التوديع فلا شيء فيه من ذلك . بل لعل الحس اللغوي فيه يؤذن بالفراق ( على كُرْهٍ ) مع رجاء العودة ) (((3) ))وكان هذا الملحظ السبب
في رفضها تعليل الحذف برعاية الفاصلة فقط إذ ليس من المقبول عندها أن يقوم البيان القرآني على اعتبار لفظي محض وإنما الحذف لمقتضى معنوي بلاغي يقوّيه الأداء اللفظي دون
(1) ينظر: التفسير البياني 1 / 38 - 40 .
(2) ينظر: الكشاف 4 / 263 - 264 ، والطبري 30 / 147 ، والبحر 8 / 485 .
(3) التفسير البياني 1 / 35 .