فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 26

لا شك أن هذه مجرد دعوى عارية عن الدليل، ونعلم يقينا بمقتضى إيماننا أنه دعوى كاذبة كافرة، وأن موسى عليه الصلاة والسلام أحرص على وحدة البلاد واستقرار الأمن وأرواح الناس لا أقول من فرعون، بل من أكثر الناس حرصا في ذلك الوقت، بل لا يقاس به غيره.

ولهذا قال الله تعالى في وصف عباد الرحمان الصالحين: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) .

وقد جمع الله سبحانه وتعالى هذه الثلاث مع بعض: فهم موحدون في عبادتهم.

وهم حريصون على حفظ أرواح الناس، والحريص على حفظ أرواح الناس أن لا يقتلوا بغير حق من باب أولى أن يكون حريص على أن لا يجرحوا بغير حق، وأن لا ينالهم سوء.

وهم حريصون أيضا على حفظ أعراض الناس، كما في قوله تعالى (ولا يزنون) ، ولذا جاء الدين لحفظ الضرورات الخمس وهي الدين، والعقل، والنفس، والمال، والعرض أو النسب.

هذه هي الضرورات الخمس التي جاء الدين بحفظها، ومدار الأحكام الشرعية على حفظ هذه الأشياء الخمسة، ولهذا سمها الفقها الضرورات، ولعل أفضل من تكلم فيها هو الأمام الشاطبي رحمه الله تعالى.

فالمقصود أن هذا مطلب مشترك لدى الجميع، وأنا إذ أقول ذلك لا أزكي كل أعمال المسلمين، فالمسلم بشر فيهم المؤمن وغير المؤمن، وفيهم الفاجر، وفيهم الحكيم والأهوج والسفيه، وفيهم العاقل وناقص العقل، وفيهم القوي والضعيف، وفيهم المتدين وضعيف الدين، وفيهم من يريد الدنيا وفيهم من يريد الآخرة.

فلا يمكن أن تزكي أعمال أمة من الأمم كلها أبدا، ولكن المقصود أن هذه الكلمة التي تستخدم اليوم:

(كلمة الإخلال بالأمن) ، وكلمة (تدمير الوحدة الوطنية) ، وكلمة (السعي إلى بث الفرقة) ، أصبحت يرمى بها كل متحدث أو داعية في أمر من أمور الإسلام، وأصبح الأمر محتاجا إلى تفصيل وبيان.

إذا لندعي أننا جميعا حريصون أو مشتركون في الحرص على الأمن وعلى الاستقرار وعلى الوحدة في ظل شريعة الله سبحانه وتعالى، وعلى الرفاهية للناس، بمعنى أن من مطالب الشريعة تحقيق الرفاهية للناس، تحقيق المسكن المناسب للإنسان، الملبس المناسب، الوظيفة المناسبة، المأكل المناسب، هذه كلها حقوق، وقد كان أبو بكر، وكان عمر، وكان عثمان، وكان المسلمون منذ القرون السلفة يتولون هذه الأمور بأنفسهم خاصة في أزمنة المجاعة، واقرأ كيف كان عمر رضي الله عنه عندما يقرقر بطنه من الجوع كان يخاطب بطنه ومقصودة خطاب غيره أنه قرقر أو لا تقرقر والله لا ينالك إلا ما تأكله الآن حتى يشبع المسلمون.

وهذا واقع تاريخي شهدت به الأجيال كلها، والعدل ما شهدت به الأعداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت