فهرس الكتاب
الشك الفلسفي ومبررا لتجريد المعرفة من قميتها.
فالنظرية السلوكية تصور الفكر باعتباره حالة مادية تحدث في جسم المفكر بأسباب مادية كما تحدث حالة ضغط الدم فيه. ولاجل ذلك تنتهي بتجريده
من قيمته الموضوعية, غير ان هذه النظرية ليست هي من وجهة نظر السلوكية نفسها الا حالة خاصة حدثت في اجسام اصحاب النظرية انفسهم ولا تعبر
عن شيء سوى ذلك.
كما ان نظرية فرويد جزئ من حياته العقلية الشعورية, فاذا صح ان
الشعور تعبير محرّف عن القوى اللاشعورية ونتيجة محتومة لتحكم تلك القوى في سيكولوجية الانسان فسوف تفقد نظرية فرويد قيمتها لأنها في هذا الضوء
ليست أداة للتعبير عن الحقيقة وانما هي تعبير عن شهواته وغرائزه المخبوءة في اللاشعور.
وقل الشيء نفسه عن المادية التاريخية التي تربط الفكر بالوضع
الاقتصادي, وبالتالي تجعل من نفسها نتيجة لوضع اقتصادي معين عاشه
ماركس وانعكس في ذهنه معبرًا عن متطلباته في مفاهيم المادية التاريخية ويصبح
من المحتوم على المادية التاريخية ان تتغير وفقا لتغير الوضع الاقتصادي.
?نظرية المعرفة في فلسفتنا
والآن نستطيع ان نستخلص من دراسة المذاهب السابقة ونقدها الخطوط العريضة لمذهبنا في الموضوع, وتتلخص فيما يأتي:
الخط الاول: ان الادراك البشري على قسمين: احدهما التصور, والآخر التصديق. وليس للتصور بمختلف ألوانه قيمة موضوعية, لأنه عبارة عن وجود
الشيء في مداركنا, وهو لا يبرهن ـ اذا جرد عن كل اضافة ـ على وجود
الشيء موضوعيا خارج الادراك, وانما الذي يملك خاصة الكشف الذاتي عن الواقع الموضوعي هو التصديق او المعرفة التصديقية. فالتصديق هو الذي
يكشف عن وجود واقع موضوعي للتصور.
الخط الثاني: ان مرد المعارف التصديقية جميعًا الى معارف اساسية
ضرورية, لا يمكن إثبات ضرورتها بدليل او البرهنة على صحتها, وانما يشعر
العقل بضرورة التسليم والاعتقاد بصحتها, كمبدا عدم التناقض ومبدأ العلية والمبادئ الرياضية الاولية, فهي الاضواء العقلية الاولى, وعلى هدي تلك
الأضواء يجب ان تقام سائر المعارف والتصديقات, وكلما كان الفكر ادق في
تطبيق تلك الاضواء وتسليطها كان ابعد عن الخطأ. فقيمة المعرفة تتبع مقدار