فهرس الكتاب
فليس هناك قسمان للواقع, بل الواقع كل واحد نكشف
بالتطبيق وجوهه المختلفة على التوالي. وقد علمنا الجدل ان
الصفات المختلفة للاشياء تكشف عن نفسها بواسطة الصراع
الباطن للاضداد, وهو الذي يصنع التغيير, فحالة السيولة في
ذاتها هي بالضبط حالة الاتزان النسبي, الذي ينكشف
تناقضه الباطن في لحظة التجمد او الغليان. ومن هنا قال
لينين:(لا يوجد ولا يمكن ان يوجد أي فارق مبدئي بين
الظاهرة والشيء في ذاته, وليس ثمة فرق بين ما هو معروف
وبين ما يعرف بعد)فكلما ازداد عمق معرفتنا للواقع اصبح
الشيء في ذاته تدريجيا شيئا لذاتنا] (1) .
ولاجل ان ندرس الماركسية في هذا النص, يجب ان نميز بين معنيين
لفكرة فصل الشيء في ذاته عن الشيء لذاتنا:
الاول: ان العلم البشري لما كان يرتكز ـ في نظر المبدأ الحسي
التجريبي ـ على الحس, والحس لا يتناول الا ظواهر الطبيعة, ولا ينفذ الى
الصميم والجوهر, فهو مقصور على هذه الظواهر التي يمتد اليها الحس
التجريبي, وتقوم بذلك هوة فاصلة بين الظواهر والجوهر. فالظواهر هي
الاشياء لذاتنا, لأنها الجانب السطحي القابل للادراك من الطبيعة, والجوهر
هو الشيء في ذاته ولا تنفذ اليه المعرفة البشرية.
ويحاول جورج بوليتزير القضاء على هذه الثنائية بحذف المادة او الجوهر
من الواقع الموضوعي, فهو يؤكد على ان الجدل لا يميز بين صفات الشيء
والشيء في ذاته, بل يعتبر الشيء عبارة عن مجموعة الصفات والظواهر. ومن الواضح ان هذا لون من الوان المثالية التي نادى بها (باركلي) حين احتج على
اعتقاد الفلاسفة بوجود مادة وجوهر وراء الصفات والظواهر التي تبدو لنا في تجاربنا, وهو لون من المثالية يحتمه المبدأ الحسي والتجريبي. فما دام الحس هو القاعدة الاساسية للمعرفة, وهو لا يدرك سوى الظواهر, فلا بد من اسقاط
الجوهر من الحساب. واذا سقط فلا يبقى في الميدان الا الظواهر والصفات
القابلة للادراك.
الثاني: ان الظواهر ـ التي يمكن ادراكها ومعرفتها ـ ليست هي في مداركنا وحواسنا كما هي في واقعها الموضوعي. فالثنائية ليست هنا بين الظاهرة
والجوهر, بل بين الظاهرة كما تبدو لنا والظاهرة كما هي موجودة بصورة موضوعية مستقلة.
فهل تستطيع الماركسية ان تقضي على هذه الثنائية؟ وتبرهن على ان الواقع
الموضوعي يبدو لنا في أفكارنا وحواسنا كما هو في مجاله الخارجي المستقل؟.
(1) ـ المادية والمثالية في الفلسفة ص 108 ـ 109.