فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 262

مر حديثنا عن النسبية الذاتية, وقلنا ان اعطاء الحقيقة هذا المفهوم,يعني انها

ليست اكثر من تعبير عن شيء ذاتي, فلا تصبح الحقيقة حقيقة الا من ناحية

اسمية فقط. وبذلك تفقد الحقيقة في المفهوم النسبي الذاتي صفتها كموضوع

للنزاع والصراع الفلسفي, بين اتجاهات اليقين والشك والانكار في الفلسفة. فالنسبية الذاتية مذهب من مذاهب الشك يتبرقع بستار من الحقيقة.

وهناك تفسير فلسفي آخر للحقيقة, وهو الذي قدمه لنا (وليم جيمس) في مذهبه الجديد في المعرفة الانسانية (البراجماتزم او مذهب الذرائع) . وليس هذا التفسير بادنى الى الواقعية او ابعد عن فلسفات الشك والانكار من التفسير

السابق, الذي حاولته النسبية الذاتية. ويتلخص مذهب (البراجماتزم) في

تقديم مقياس جديد, لوزن الافكار والفصل فيها بين الحق والباطل وهو

مقدرة الفكرة المعينة على انجاز اغراض الانسان في حياته العملية. فان

تضاربت الآراء وتعارضت, كان احقها واصدقها هو انفعها واجداها, أي

ذلك الذي تنهض التجربة العملية دليلًا على فائدته. والافكار التي لا تحقق

قيمة عملية ولا يوجد لها آثار نافعة فيما تصادف من تجارب الحياة, فليست من الحقيقة بشيء, بل يجب اعتبارها ألفاظا جوفاء لا تحمل من المعنى شيئا. فمرد

الحقائق جميعا في هذا المذهب الى حقيقة عليا في الوجود, وهي الاحتفاظ

بالبقاء أولًا, ثم الارتفاع بالحياة نحو الكمال ثانيًا. فكل فكرة يمكن استعمالها

كأداة للوصول الى تلك الحقيقة العليا فهي حق صريح وحقيقة يجب

تصديقها, وكل فكرة لا تصنع شيئا في هذا المضمار فلا يصح الاخذ بها.

وعلى هذا الاساس عرف (برغسون) (1) الحقيقة بأنها اختراع شيء جديد,

وليست اكتشافا لشيء سبق وجوده. وعرفها (شلر) بأنها ما تخدم الانسان وحده. وحدد (ديوي) وظيفة الفكرة قائلا ان الفكرة اداة لترقية الحياة, وليست وسيلة الى معرفة الاشياء في ذاتها.

وفي هذا المذهب خلط واضح بين الحقيقة نفسها, والهدف الاساسي من

محاولة الظفر بها. فقد ينبغي ان يكون الغرض من اكتساب الحقائق, هو

استثمارها في المجال العملي والاستنارة بها في تجارب الحياة, ولكن ليس هذا

هو معنى الحقيقة بالذات. ونلخص الرد عليه فيما ياتي:

أولًا: ان اعطاء المعنى العملي البحت للحقيقة, وتجريدها من خاصة

الكشف عما هو موجود وسابق, استسلام مطلق للشك الفلسفي, الذي

(1) ـ برغسون: حياته, فلسفته, سلسلة: زدني علما رقم 25 ـ منشورات عويدات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت