فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 262

تحارب التصويرية والسفسطة لأجله. وليس مجرد الاحتفاظ بلفظة الحقيقة في

مفهوم آخر كافيًا للرد عليه او التخلص منه.

ثانيًا: ان من حقنا التساؤل عن هذه المنفعة العملية, التي اعتبرت

مقياسا للحق والباطل في (البراجماتزم) , أهي منفعة الفرد الخاص الذي

يفكر؟! او منفعة الجماعة؟! ومن هي الجماعة؟ وما هي حدودها؟ وهل

يقصد بها النوع الانساني بصورة عامة؟ او جزء خاص منه؟ وكل من هذه الافتراضات لا تعطي تفسيرًا معقولا لهذا المذهب الجديد. فالمنفعة الشخصية

اذا كانت هي المعيار الصحيح للحقيقة, وجب ان تختلف الحقائق باختلاف

مصالح الافراد, فتحدث بسبب ذلك فوضى اجتماعية مريعة, حين يختار كل

فرد حقائقه الخاصة, دون أي اعتناء بحقائق الآخرين المنبثقة عن مصالحهم.

وفي هذه الفوضى ضرر خطير عليهم جميعا. واما اذا كانت المنفعة الانسانية

العامة هي المقياس, فسوف يبقى هذا المقياس معلقا في عدة من البحوث

والمجالات, لتضارب المصالح البشرية واختلافها في كثير من الاحايين. بل لا

يمكن البت حينئذ بحقيقة مهما كانت, ما لم تمر بتجربة اجتماعية طويلة الأمد. ومعنى ذلك ان (جيمس) نفسه, لا يمكنه ان يعتبر مذهبه (البراجماتزم) صحيحًا

ما لم يمر بهذه التجربة, ويثبت جدارته في الحياة العملية. وهكذا يوقف

المذهب نفسه.

ثالثًا: ان وجود مصلحة للانسان في صدق فكرة ما, لا يكفي لامكان

التصديق بها فالملحد لا يمكنه ان يصدق بالدين, ولو آمن بدوره الفعال في

تسلية الانسان, وانعاش آماله ومؤاساته في حياته العملية. فهذا(جورج

سنتيانا)يصف الايمان بانه غلطة جميلة, اكثر ملاءمة لنوازع النفس من الحياة نفسها. فليس التصديق بفكرة نظير الالوان الاخرى من النشاط العملي, التي

يمكن للانسان ان يقوم بها اذا تحقق من فائدتها. وهكذا يقوم (البراجماتزم) على

عدم التفرقة بين التصديق ـ النشاط الذهني الخاص ـ ومختلف النشاطات

العملية, التي يباشرها الانسان على ضوء مصالحه وفوائده.

ونخلص من هذه الدراسة الى ان المفهوم الوحيد للحقيقة, الذي يمكن

للفلسفة الواقعية اتخاذه, هو (الفكرة المطابقة للواقع) .

والماركسية التي تنادي بامكان المعرفة الحقيقية, وترفض لاجل ذلك

النزعات التصويرية والشكية والسفسطائية, ان كانت تعني بالحقيقة مفهومًا آخر

غير مفهومها الواقعي, فهي لا تتعارض مع تلك المذاهب مطلقًا, لأن مذاهب الشك والسفسطة انما ترفض الحقيقة بمعنى الفكرة المطابقة للواقع, ولا ترفض

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت