فهرس الكتاب
لفظ الحقيقة بأي مفهوم كان. فلا يمكن للماركسية ان تبرأ من نزعات الشك والسفسطة, لمجرد اتخاذ لفظ الحقيقة وبلورته في مفهوم جديد.
فيجب اذن لاجل رفض تلك النزعات حقا, ان تاخذ الماركسية الحقيقة بمفهومها الواقعي الذي ترتكز عليه الفلسفة الواقعية, حتى يمكن اعتبارها
فلسفة واقعية مؤمنة بالقيم الموضوعية للفكر حقا.
واذا عرفنا المفهوم الواقعي الصحيح للحقيقة حان لنا ان نتبين ما اذا كان
من الممكن للحقيقة بهذا المفهوم الذي تقوم على اسبابه الواقعية ان تتطور
وتتغير بحركة صاعدة كما تعتقد الماركسية أولًا؟.
ان الحقيقة لا يمكن ان نتطور وتنمو, وان تكون محدودة في كل مرحلة من مراحل تطورها بحدود تلك المرحلة الخاصة, بل لا تخرج الفكرة ـ كل
فكرة ـ عن احد امرين: فهي اما حقيقة مطلقة واما خطأ.
وانا اعلم ان هذه الكلمات تثير اشمئزاز الماركسين, وتجعلهم يقذفون
الفكر الميتافيزيقي بما تعودوا الصاقه به من تهم, فيقولون ان الفكر الميتافيزيقي
يجمد الطبيعة ويعتبرها حالة اثبات وسكون, لانه يعتقد بالحقائق المطلقة, ويأبى
عن قبول مبدأ التطور والحركة فيها, وقد انهار مبدأ الحقائق المطلقة تماما, باستكشاف تطور الطبيعة وحركتها.
ولكن الواقع الذي يجب ان يفهمه قارئنا العزيز ان الايمان بالحقائق
المطلقة ورفض التغير والحركة فيها. لا يعني مطلقا تجميد الطبيعة. ولا ينفي
تطور الواقع الموضوعي وتغيره. ونحن في مفاهيمنا الفلسفية نعتقد بان التطور
قانون عام في عالم الطبيعة, وان كينونته في صيرورة مستمرة, ونرفض
في نفس الوقت كل توقيت للحقيقة وكل تغير فيها.
ولنفرض ـ لايضاح ذلك ـ ان سببًا معينًا جعل الحرارة تشتد في ماء
خاص. فحرارة هذا الماء بالفعل في حركة مستمرة, وتطور تدريجي. ومعنى
ذلك ان كل درجة من الحرارة يبلغها الماء فهي درجة مؤقتة, وسوف يعبرها
الماء بصعود حرارته الى درجة اكبر. فليس للماء في هذا الحال درجة حرارة
مطلقة. هذا هو حال الواقع الموضوعي القائم في الخارج, فاذا قسنا حرارته في
لحظة معينة, فكانت الحرارة فيه حال تأثر المقياس بها قد بلغت
(90) ـ مثلا ـ , فقد حصلنا على حقيقة عن طريق التجربة, وهذه الحقيقة
هي ان درجة حرارة الماء في تلك اللحظة المعينة كانت (90) وانما تقول عنها
انها حقيقة لأنها فكرة تأكدنا من مطابقتها للواقع, أي لواقع الحرارة في لحظة
خاصة. ومن الطبيعي ان حرارة الماء سوف لا تقف عند هذه الدرجة, بل أنها