فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 262

بحكم التناقضات الديالكتيكية فندركه على شكل اخر (1)

(1) ـ ومن الطريف حقا تلك المحاولات التي تتخذ باسم العلم, لتفنيد البدهيات العقلية, من رياضة ومنطقية, مع ان العلم لا يمكن ان يقوم الا على أساسها. وفيما يلي امثلة من تلك المحاولات للدكتور نوري جعفر, ذكرها في كتابه فلسفة التربية ص 66: (وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع ان نقول: ان جميع القوانين العلمية قوانين نسبية, تعمل في مجالات معينة لا تتعداها, ويصدق ما ذكرناه على قوانين الرياضيات وبعض مظاهرها التي تبدو لاول وهلة, كأنها من الامور البديهية, التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان. فحاصل جمع 2 زائد 2 مثلا لا يساوي 4 دائمًا. من ذلك ـ مثلا ـ اننا اذا جمعنا حجمين من الكحول مع حجمين من الماء, فالنتيجة تكون اقل من 4 حجوم ممزوجة, وسبب ذلك راجع الى ان السائلين تختلف جزئيات احدهما في شدة تماسكها عن الآخر فتنفذ عند المزج جزئيات السائل الاكثر تماسكا(الماء) من بين الفراغات النسبية الموجودة بين جزئيات الكحول, وتكون النتيجة مشابهة لخلط مقدار من البرتقال مع مقدار من الرقي حيث ينفذ قسم من البرتقال من بين الفراغات الموجودة في الرقي. وحاصل جمع كالون من الماء مع كالون من حامض الكبريتك انفجار مرعب, على ان ذلك الجمع اذا تم بدقة علمية وبشكل يتفادى حدوث الانفجار, فان النتيجة مع هذا تكون اقل من كالونين من المزيج. ويكون حاصل جمع 2+2=2 احيانا اخرى, فاذا خلطنا غازين درجة حرارة كل منهما درجتان مئويتان, فان درجة حرارة الخليط تبقى درجتين).

وهذا النص يعرض لنا ثلاث عمليات رياضية:

(أ) ان حجمين من الكحول اذا جمعناهما مع حجمين من الماء فالنتيجة تكون اقل من (4) حجوم. وهذه العملية تنطوي على مغالطة. وهي اننا في الحقيقة لم نجمع بين حجمين وحجمين. وانما خسرنا شيئًا في الجمع فظهرت الخسارة في النتيجة. ذلك ان حجم الكحول لم يكن متقوما بالجزئيات فحسب. وانما يتقوم بالجزئيات والفراغ النسبي القائم بينها. فاذا احضرنا حجمين من الكحول كان هذان الحجمان يعبران عن جزئيات وفراغ بينهما لا عن الجزئيات فحسب. وحين يلقى على الكحول حجمين من الماء وتتسلل جزئيات الماء الى الفراغ النسبي القائم بين جزئيات الكحول فتشغله نكون قد فقدنا هذا الفراغ النسبي الذي كان له نصيب من حجم الكحول. فلم نجمع اذن بين حجمين من الكحول وحجمين من الماء. وانما جمعنا بين حجمين من الماء وجزئيات حجمين من الكحول. واما الفراغ النسبي فيها فقط سقط من الحساب. وهكذا يتضح انا اذا اردنا ان ندقق في صوغ العملية الرياضية نقول ان جمع حجمين كاملين من الماء مع حجمين من الكحول. باستثناء الفراغ المتخلل بين جزئياته, يساوي اربعة حجوم باستثناء ذلك الفراغ نفسه. وليست قصة هذه الحجوم الا كالآف النظائر والامثلة الطبيعية التي يشاهدها كل الناس في حياتهم الاعتيادية. فماذا نقول في جسم قطني ارتفاعه متر وقطعة من حديد ارتفاعها متر ايضًا. لو وضعنا احد الجسمين على الآخر فهل ينتج من ذلك ارتفاع مترين؟, وفي تراب ارتفاعه متر وماء ارتفاعه متر. ثم الفينا الماء على التراب فهل نجني من ذلك ارتفاعا مضاعفا ؟‍طبعا لا. فهل من الجائز ان نعتبر ذلك دليلا على تفنيد البدهيات الرياضية؟‍.

(ب) ان جمع كالون من الماء مع كالون من حامض الكبريتك لا ينتج كالونين وانما يحصل من ذلك انفجار مرعب. وهذا ايضًا لا يتعارض مع البدهية الرياضية في جمع الاعداد, ذلك ان (1+1) انما يساوي اثنين اذا لم يعدم احدهما او كلاهما حال الجمع والمزج, والا لم يحصل جمع بين واحد وواحد بمعناه الحقيقي . ففي هذا المثال لم تكن الوحدتان ـ الكالونان ـ موجودتين حين اتمام عملية الجمع لينتج اثنين.

(ج) ان جمع غازين درجة حرارة كل منهما درجتان مئويتان, ينتج حرارة الخليط بنفس تلك الدرجة ايضًا من دون مضاعف.

وهذا لون اخر من التموية لأن العملية انما جمعت بين غازين وخلطت بينهما, لا انها جمعت بين درجتي الحرارة. وانما يجمع بين الدرجتين لو ضوعفت الدرجة في موضوعها. فنحن لم نضف حرارة على حرارة لنترقب حدوث درجة اضخم للحرارة, وانما اضفنا حارًا الى حار وخلطنا بينهما.

وهكذا يتضح ان كل تشكيك او نقض يدور حول البدهيات العقلية الضرورية, مرده في الحقيقة الى لون من المغالطة او عدم اجادة فهم تلك البدهيات وسوف يبدو هذا بكل وضوح عند عرضنا لنقوض الماركسية التي حاولت ان ترد على مبدأ عدم التناقض.‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت