فهرس الكتاب
?التعديلات العلمية والحقائق المطلقة:
وقد كتب انجلز ينقد مبدأ الحقيقة المطلقة القائل بسلبية امكان اجتماعها
مع الخطا, عن طريق التعديل الذي يطرأ على النظريات والقوانين العلمية,
فقال:
(ولنستشهد على ذلك بقانون(بويل) الشهير, الذي ينص على ان حجوم الغازات تتناسب عكسيًا مع الضغط الواقع عليها اذا بقيت درجة حرارتها
ثابتة.
وجد (رينو) بأن هذا القانون لا يصح في حالات معينة, ولو كان (رينو)
احد فلاسفة الواقعية لا نتهى من ذلك الى الاستخلاص التالي: بما ان قانون
(بويل) قابل للتغير فهو ليس بحقيقة محضة, أي انه ليس بحقيقة البتة, فهو
إذن قانون باطل ولو نهج (رينو) هذا النهج لارتكب خطأ افضع مما تضمنه
قانون (بويل) ولتاهت ذرة الحقيقة المنطوي عليها نقده لهذا القانون, واندفعت بين رمال صحراء الباطل, ولأفضى به الامر أخيرا الى تشويه النتيجة الصائبة
التي ادركها, والى احالتها الى نتيجة واضحة الاخطاء اذا ما قورنت مع
النتيجة التي ادركها قانون (بويل) , الذي يبدو صحيحًا رغم ما هو عالق به
من اخطاء جزئية) (1) .
ويتلخص هذا النقد في ان الفكر الميتافيزيقي لو كان على صواب فيما
يؤمن به للحقائق من اطلاق وتعارض مطلق مع الخطأ, لوجب رفض كل
قانون علمي لمجرد وضوح عدم صحته جزئيا, وفي حالات معينة. فقانون
(بويل) بحكم الطريقة الميتافيزيقية في التفكير اما ان يكون حقيقة مطلقة, واما
ان يكون خطأ محضا, فاذا تبين في الميدان التجريبي عدم صحته احيانا فيجب
ان يكون لاجل ذلك خطأ مطلقًا, وان لا يكون فيه شيء من الحقيقة, لأن
الحقيقة لا تجتمع مع الخطا. ويخسر العلم بذلك جانب الحقيقة من ذلك
القانون. واما في الطريقة الديالكتيكية فلا يعتبر ذلك الخطا النسبي دليلا على
سقوط القانون مطلقًا, بل هو حقيقة نسبية في نفس الوقت, فان الحقيقة
تجتمع مع الخطأ.
ولو كان (انجلز) قد عرف النظرية الميتافيزيقية في المعرفة معرفة دقيقة,
وفهم ما تعني من الحقيقة المطلقة لما حاول ان يوجه مثل هذا النقد اليها. ان
الصحة والخطأ لم يجتمعا في حقيقة واحدة لا في قانون بويل ولا في غيره من
القوانين العلمية. فالحقيقة من ذلك القانون هي حقيقة مطلقة لا خطأ فيها وما
(1) ـ ضد دوهرنك الفلسفة ص 153 .