فهرس الكتاب
الحقيقة هي مطابقة الفكرة للمصالح الطبقية للمفكر لأن كل مفكر لا يستطيع
ان يدرك الواقع الا في حدود هذه المصالح ولا يمكن لأحد في هذا الضوء ان
يضمن وجود الحقيقة في أي فكرة فلسفية او علمية بمعنى مطابقتها للواقع
الموضوعي وحتى الماركسية نفسها لا تستطيع ما دامت تؤمن بحتمية الطابع
الطبقي ان تقدم لنا مفهومها عن الكون والمجتمع بوصفه تعبيرًا مطابقًا للواقع
وانما كل ما تستطيع ان تقرره هو انه يعكس ما يتفق مع مصالح الطبقة
العاملة من جوانب الواقع (1) .
المفهوم الفلسَفي للعَالم
ـ1ـ
? المفهوم الفلسفي ?
ان لمسألة تكوين مفهوم فلسفي عام عن العالم, مركزًا رئيسيًا في العقل البشري, منذ حاولت الانسانية تحديد علاقاتها بالعالم الموضوعي وارتباطها به.
ولسنا نحاول في دراستنا هذه ان نؤرخ للمسالة في سيرها الفلسفي والديني والعلمي, وتطورها على مر الزمن منذ آمادها البعيدة, وانما نستهدف ان
نعرض المفاهيم الاساسية في الحقل الفلسفي الحديث, لنحدد موقفنا منها, وما
هو المفهوم الذي يجب ان تتبلور نظرتنا العامة على ضوئه ويرتكز مبدأنا في
الحياة على اساسه؟.
ومرد مسألتنا هذه الى مسألتين: احدهما, مسالة المثالية والواقعية.
والاخرى, مسألة المادية والالهية.
ففي المسألة الاولى يعرض السؤال على الوجه التالي: ان هذه الكائنات
التي يتشكل منها العالم, هل هي حقائق موجودة بصورة مستقلة عن الشعور والادراك؟ او انها ليست الا الوانا من تفكيرنا وتصورنا, بمعنى ان الفكر او
الادراك هو الحقيقة, وكل شيء يرجع في نهاية المطاف الى التصورات الذهنية؟
فاذا اسقطنا الشعور او الـ (انا) فان الواقع كله يزول. فهذان تقديران
للمسألة, والاجابة بالتقدير الاول تلخص الفلسفة الواقعية او المفهوم الواقعي
للعالم, والاجابة بالتقدير الثاني هي التي تقدم المفهوم المثالي للعالم.
وفي المسألة الثانية يوضع السؤال على ضوء الفلسفة الواقعية هكذا: اذا كنا نؤمن بواقع موضوعي للعالم فهل نقف في الواقعية على حدود المادة المحسوسة, فتكون هي السبب العام لجميع ظواهر الوجود والكون بما فيها من ظواهر
الشعور والادراك؟ او نتخطاها الى سبب اعمق, الى سبب ابدي ولا نهائي بصفة المبدأ الاساسي لما ندركه من العالم بكلا مجاليه الروحي والمادي معًا؟.
وبذلك يوجد في الحقل الفلسفي للواقعية مفهومان: يعتبر احدهما, ان
(1) ـ لأجل التوضيح راجع كتاب (اقتصادنا) للمؤلف ص 93 ـ 100 .