فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 262

تتحكم في العالم, وتتولد باعتبارها الظواهر والحوادث. وساعد على تركيز هذا الاتهام ما كانت تلعبه الكنيسة في بداية النهضة العلمية في أوروبا, من أدوار

خبيثة في محاربة التطور العلمي, ومعارضة ما يكشفه العلم من اسرار الطبيعة ونواميسها.

والحقيقة, ان المفهوم الالهي للعالم لا يعني الاستغناء عن الاسباب

الطبيعية, او التمرد على شيء من حقائق العلم الصحيح وانما هو المفهوم

الذي يعتبر الله سببا اعمق, ويحتم على تسلسل العلل والاسباب ان يتصاعد

الى قوة فوق الطبيعة والمادة. وبهذا يزول التعارض بينه وبين كل حقيقة علمية

تمامًا, لانه يطلق للعلم اوسع مجال لاستكشاف اسرار الطبيعة ونظامها,

ويحتفظ لنفسه بالتفسير الالهي في نهاية المطاف, وهو موضع السبب الاعمق في

مبدأ أعلى من الطبيعة والمادة. فليست المسالة الالهية كما يشاء ان يصورها خصومها, مسألة أصابع تمتد من وراء الغيب, فتقطر الماء في الفضاء تقطيرا,

او تحجب الشمس عنا, او تحول بيننا وبين القمر, فيوجد بذلك المطر

والكسوف والخسوف, فاذا كشف العلم عن اسباب المطر وعوامل التبخير

فيه, واذا كشف عن سبب الكسوف وعرفنا ان الاجرام السماوية ليست

متساوية الابعاد عن الارض, وان القمر اقرب اليها من الشمس, فيتفق ان

يمر القمر بين الارض والشمس فيحجب نورها عنا, واذا كشف العلم عن

سبب الخسوف وهو وقوع القمر في ظل الارض, الذي يمتد وراءها الى مسافة

(900) الف ميل تقريبًا, اقول اذا كملت هذه المعلومات لدى الانسان, يخيل لأولئك الماديين ان المسألة الالهية لم يبق لها موضوع, وان الاصابع الغيبية التي

تحجب الشمس او القمر عنا, عوض عنها العلم بالتعليلات الطبيعية وليس

هذا الا لسوء فهم للمسالة الالهية, وعدم تمييز لموضع السبب الالهي من

سلسلة الاسباب.

الثالث: ان الطابع الروحي غلب على المثالية والالهية معًا, حتى اخذ

يبدو ان الروحية في المفهوم الالهي هي بمعناه في المفهوم المثالي, ونشأت عن

ذلك عدة اشتباهات, ذلك ان الروحية قد تعتبر وصفا لكل من المفهومين.

ولكننا لا نجيز مطلقا ان يهمل التمييز بين الروحيتين, بل يجب ان نعرف ان

الروحية في العرف المثالي, يقصد بها المجال المقابل للمجال المادي المحسوس,

أي مجال الشعور والادراك والانا. فالمفهوم المثالي روحي على أساس انه يفسر

كل كائن وكل موجود في نطاق هذا المجال, ويرجع كل حقيقة وكل واقع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت