وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه وأنيب.
النجف الاشرف .
29 ربيع الثاني 1379 هـ
محمد باقر الصدر
? تمهيد ?
?المسألة الاجتماعية
مشكلة العالم التي تملأ فكر الإنسانية اليوم, وتمس واقعها بالصميم هي
مشكلة النظام الاجتماعي التي تتلخص في محاولة إعطاء أصدق إجابة عن
السؤال الآتي:
ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية وتسعد به في حياتها الاجتماعية؟
ومن الطبيعي أن تحتل هذه المشكلة مقامها الخطير, وان تكون في تعقيدها
وتنوع ألوان الاجتهاد في حلها مصدرًا للخطر على الإنسانية ذاتها, لأن النظام
داخل في حساب الحياة الإنسانية ومؤثر في كيانها الاجتماعي في الصميم.
وهذه المشكلة عميقة الجذور في الأغوار البعيدة من تاريخ البشرية, وقد
واجهها الإنسان منذ نشأت في واقعه الحياة الاجتماعية, وانبثقت الإنسانية الجماعية تتمثل في عدة أفراد تجمعهم علاقات وروابط مشتركة. فإن هذه
العلاقات التي تكونت تحقيقا لمتطلبات الفطرة والطبيعة في حاجة بطبيعة الحال
إلى توجيه وتنظيم, وعلى مدى انسجام هذا التنظيم مع الواقع الإنساني ومصالحه يتوقف استقرار المجتمع وسعادته.
وقد دفعت هذه المشكلة بالإنسانية في ميادينها الفكرية والسياسية الى
خوض جهاد طويل, وكفاح حافل بمختلف ألوان الصراع, وبشتى مذاهب
العقل البشري التي ترمي إلى إقامة البناء الاجتماعي وهندسته, ورسم خططه
ووضع ركائزه, وكان جهادًا مرهقًا يضج بالمآسي والمظالم, ويزخر بالضحكات
والدموع، وتقترن فيه السعادة مع الشقاء, كل ذلك لما كان يتمثل في تلك
الألوان الاجتماعية من مظاهر الشذوذ والانحراف عن الوضع الاجتماعي
الصحيح. ولولا ومضات شعت في لحظات من تاريخ هذا الكوكب, لكان
المجتمع الإنساني يعيش في مأساة مستمرة, وسبح دائم في الأمواج الزاخرة.
ولا نريد أن نستعرض الآن أشواط الجهاد الإنساني في الميدان الاجتماعي
لأننا لا نقصد بهذه الدراسة أن نؤرخ للإنسانية المعذبة. وأجوائها التي تقلبت
فيها منذ الآماد البعيدة. وإنما نريد أن نواكب الإنسانية في واقعها الحاضر,
وفي أشواطها التي انتهت إليها, لنعرف الغاية التي يجب أن ينتهي إليها
الشوط, والساحل الطبيعي الذي لا بد للسفينة أن تشق طريقها إليه, وترسو
عنده لتصل إلى السلام والخير، وتؤوب إلى الحياة مستقرة, يعمرها العدل
والسعادة, بعد جهد وعناء طويلين وبعد تطواف عريض في شتى النواحي
ومختلف الاتجاهات.