فهرس الكتاب
وقد نشأ هذا من خطأ الماركسية في نظرية المعرفة وإيمانها بالتجربة
وحدها, وأما في ضوء المذهب العقلي والايمان بمعارف قبلية فالفلسفة ترتكز
على قواعد أساسية ثابتة وهي تلك المعارف العقلية القبلية الثابتة بصورة مطلقة ومستقلة عن التجربة, ولأجل ذلك لا يكون من الحتم أن يتغير المحتوى
الفلسفي باستمرار تبعا للاكتشافات التجريبية.
ونحن لا نعني بذلك انقطاع الصلة بين الفلسفة والعلم فان الترابط بينهما
وثيق لأن العلم يقدم في بعض الأحايين الحقائق الخاصة الى الفلسفة لتطبق
عليها مبادئها المطلقة فتخرج بنتائج فلسفية جديدة (1) , كما أن الفلسفة تنجد الأسلوب التجريبي في العلوم بمبادئ وقواعد عقلية يستخدمها العالم في سبيل الارتقاء من التجارب المباشرة الى قانون علمي عام (2) . فالعلاقة بين الفلسفة
(1) ـ ومثال ذلك أن العلوم الطبيعية تبرهن على امكان تحويل العناصر البسيطة بعضها الى بعض. فهذه حقيقة علمية تتناولها الفلسفة كمادة لبحثها وتطبق عليها القانون العقلي القائل بأن الوصف الذاتي لا يتخلف عن الشيء فنستنتج أن صورة العنصر البسيط كالصورة الذهبية ليست ذاتية لمادة الذهب وإلا لما زالت عنها وإنما هي صفة عارضة.
ثم تمضي الفلسفة أكثر من ذلك فتطبق القانون القائل أن لكل صفة عارضة علة خارجية فتصل الى هذه النتيجة أن المادة لكي تكون ذهبا أو نحاسا أو شيئا آخر بحاجة الى سبب خارجي فهذه نتيجة فلسفية مستندة الى ما أدت إليه الطريقة العقلية من قواعد عامة لدى تطبيقها على المادة الخام التي قدمتها العلوم للفلسفة.
(2) ـ كما ضربنا الأمثلة على ذلك آنفًا فقد رأينا كيف أن النظرية العلمية القائلة أن الحركة هي سبب الحرارة أو جوهرها تطلبت عدة من المبادئ العقلية القبلية.