فهرس الكتاب
والعلم قوية (1) , غير أن الفلسفة بالرغم من ذلك قد لا تحتاج في بعض
الأحيان إلى تجربة إطلاقًا بل تستخلص النظرية الفلسفية من المعارف العقلية
القبلية (2) ولأجل هذا قلنا ليس من الحتم أن يتغير المحتوى الفلسفي باستمرار
تبعا للتجربة, ولا من الضروري أن يواكب الكل الفلسفي قطار العلم في
سيرة المتدرج.
? 2ـ قيمة المعرفة ?
كنا ندرس في المسألة السابقة المصادر الاساسية للمعرفة أو للادراك
البشري بصورة عامة, والآن نتناول المعرفة من ناحية اخرى لنحدد قيمتها الموضوعية ومدى امكان كشفها عن الحقيقة, فان الطريق الوحيد الذي تملكه الانسانية لاستكناه الحقائق والكشف عن أسرار العالم هو مجموعة العلوم والمعارف التي لديها, فيجب أن نتساءل قبل كل شيء عما اذا كان هذا
الطريق موصلا حقا الى الهدف, وعما إذا كانت الانسانية قادرة على الوصول
الى واقع موضوعي بما تملك من معارف وطاقات فكرية.
والفلسفة الماركسية تؤمن في هذه المسالة بإمكان معرفة العالم, وبطاقة
الفكر البشري على الكشف عن الحقائق الموضوعية وترفض الشك والسفسطة:
[خلافًا للمثالية التي تنكر إمكان معرفة العالم وقوانينه,
ولا تؤمن بقيمة معارفنا, ولا تعترف بالحقيقة الموضوعية,
(1) ـ حتى يمكن القول في ضوء ما قررناه ـ خلافا للاتجاه العام الذي واكبناه في الكتاب ـ بعدم وجود حدود فاصلة بين قوانين الفلسفة وقوانين العلم كالحد الفاصل القائل أن كل قانون قائم على أساس عقلي فهو فلسفي وكل قانون قائم على أساس تجريبي فهو علمي, لأننا عرفنا بوضوح أن الأساس العقلي والتجربة مزدوجان في عدة من القضايا الفلسفية والعلمية فلا القانون العلمي وليد التجربة بمفردها, وإنما هو نتيجة تطبيق الأسس العقلية على مضمون التجربة العلمية, ولا القانون الفلسفي في غنى عن التجربة دائما, بل قد تكون التجربة العلمية مادة للبحث الفلسفي أو صغرى في القياس على حد تعبير المنطق الأرسطي, وإنما الفارق بين الفلسفة والعلم أن الفلسفة قد لا تحتاج الى صغرى تجريبية ولا تفتتقر الى مادة خام تستعيرها من التجربة كما سنشير إليه بعد لحظة, وأما العلم فهو في كل قوانينه بحاجة الى الخبرة الحسية المنظمة.
(2) ـ ومثال ذلك قانون النهاية القائل أن الأسباب لا تتصاعد الى غير نهاية, فان الفلسفة حين تقرر هذا القانون لا تجد نفسها بحاجة الى أي تجربة علمية وإنما تستخلصه من مبادئ عقلية أولية ولو بصورة غير مباشرة.