فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 262

والتناقض, ما دامت مخلوقة للنفس ومستنبطة منها وليست مستوردة من الخارج ليشك في خطئها او تناقضها.

ولكن الحقيقة التي يجب ان تقوم عليها كل فلسفة واقعية هي ان العلم

ليس خلاقًا ومنشئًا, وانما هو كاشف عما هو خارج حدوده الذهنية الخاصة,

ولولا هذا الكشف الذاتي لما أمكن الرد على المفهوم المثالي مطلقا, كما سبق.

فعلمنا بأن 2+2=4 هو علم بحقيقة رياضية معنية, وليس معنى علمنا بها

اننا ننشؤها ونخلقها في داخل نفوسنا ـ كما تحاول المثالية ان تفسر العلم

بذلك ـ بل العلم في طبيعته كالمرآة, فكما ان المرآة تدلل على وجود واقع

للصورة المنعكسة فيها خارج حدودها, كذلك العلم يكشف عن حقيقة

مستقلة, ولاجل ذلك كان 2+2=4, سواء اكان يوجد مفكر رياضي على

وجه الارض ام لا, وسواء ادرك هذه الحقيقة انسان ام لا. ومعنى ذلك ان

المبادئ والحقائق الرياضية لها واقع موضوعي, فهي قوانين تعمل وتجريء,

وليست العلوم الرياضية الا انعكاسات لها في الذهن البشري. وعلى هذا

تكون كالمبادئ والقوانين الطبيعية تماما من حيث كونها واقعا مستقلا ينعكس

في العقل, فنواجه السؤال عن انعكاسها الذهني ومدى صحته ودقته, كما

نواجه ذلك السؤال في سائر العلوم. وليس لهذا السؤال الا جواب واحد وهو الجواب الذي يقدمه المذهب العقلي القائل بان تلك الانعكاسات للمبادئ

الرياضية في الذهن البشري لما كانت فطرية وضرورية فهي مضمونة الصحة

بصورة ذاتية, فالحقائق الرياضية ممكنة المعرفة لا لاننا نحن نخلقها, بل لاننا نعكسها في علوم فطرية ضرورية.

الثاني: ان (كانت) يعتبر القوانين المتأصلة في العقل البشري قوانين

للفكر, وليست انعكاسات علمية للقوانين الموضوعية التي تتحكم في العالم

وتسيطر عليه بصورة عامة, بل لا تعدو ان تكون مجرد روابط موجودة في

العقل بالفطرة ينظم بها ادراكاته الحسية. وقد سبق ان هذا الخطأ هو الذي

نتج عنه القول بنسبية الحقائق المدركة عن عالم الطبيعة, والقول بتعذر درس الميتافيزيقا دراسة عقلية, وعدم إمكان اقامتها على أساس تلك الادراكات

العقلية الفطرية, لانها مجرد روابط ينظم العقل بها ادراكاته الحسية, وليست

لدينا ادراكات فيما يخص موضوعات الميتافيزيقا لتنظم بتلك الروابط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت