فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 262

والانسياق مع المذهب النقدي هذا يؤدي الى المثالية حتما, لأن الادراكات الاولية في العقل اذا كانت عبارة عن روابط معلقة تنتظر موضوعا لتظهر فيه, فكيف يتاح لنا ان نخرج من التصورية الى الموضوعية؟! وكيف نستطيع ان

نثبت الواقع الموضوعي لاحاسيسنا المختلفة ـ أي ظواهر الطبيعة التي يعترف بموضوعيتها (كانت) ؟! فنحن نعلم ان طريق اثبات الواقع الموضوعي

للاحساس هو مبدأ العلية, الذي يحكم بان كل انفعال حسي لا بد ان ينبثق

عن سبب أثار ذلك الانفعال الخاص, فاذا رجعت العلية في مفهوم (كانت)

الى رابطة بين الظواهر المحسوسة, فهي عاجزة بطبيعة الحال عن القيام باي

وظيفة اكثر من الربط بين احساساتنا وما يبدو فيها من ظاهرات, ومن حقنا

حينئذ ان نسأل (كانت) عن المبررات الفلسفية في نظرة للاعتقاد بواقع

موضوعي للعالم المحسوس, ما دمنا لا نملك معرفة فطرية كاملة كمبدأ العلية

لنبرهن بها على ذلك الواقع, وانما نملك عدة روابط وقوانين لتنظيم الفكر والادراك.

وعلى هذا, فالواقعية لا بد لها ان تعترف بان الادراكات الفطرية في

العقل عبارة عن انعكاسات علمية لقوانين موضوعية مستقلة, وتزول بذلك

نسبية (كانت) التي زعمها في معارفنا عن الطبيعة, ذلك ان كل معرفة في

العلوم الطبيعية, وان كانت بحاجة الى ادراك فطري يقوم على اساسه الاستنتاج العلمي من التجربة, ولكن هذا الادراك الفطري ليس ذاتيا خالصا

بل هو انعكاس فطري موضوعي مستقل عن حدود الشعور والادراك.

فمعرفتنا بان الحرارة سبب لتمدد الفلزات تستند الى ادراك حسي تجريبي للحرارة والتمدد, وادراك عقلي ضروري لمبدا العلية, وكل من الادراكين

يعكس واقعا موضوعيا, وقد نتجت معرفتنا بتمديد الحرارة للفلزات عن

معرفتنا بالواقعين الموضوعيين لذينك الادراكين, فليس ما يطلق عليه (كانت)

اسم الصورة, صورة عقلية خالصة للعلم, بل هو علم يتمتع بخصائص

العلم الكشف الذاتي وانعكاس واقع مستقل فيه.

واذا عرفنا ان العقل يملك بصورة فطرية علوما ضرورية بعدة قوانين

وحقائق موضوعية, صار باستطاعتنا ان نبني قضايا الميتافيزيقا على أساس

فلسفي بدراستها على ضوء تلك العلوم الضرورية, لأنها ليست مجرد روابط

خالصة بل هي معارف اولية وفي امكانها ان تنتج للفكر البشري علوما

جديدة.

ب ـ النسبية الذاتية:

يجيء بعد (كانت) دور النسبيين الذاتيين, وهم الذين يؤكدون على

الطابع النسبي في جميع الحقائق التي تبدو للانسان, باعتبار الدور الذي يلعبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت