فهرس الكتاب
عقل كل فرد في عملية اكتسابه لتلك الحقائق. فليست الحقيقة ـ في هذا
المفهوم الجديد ـ الا الامر الذي تقتضيه ظروف الادراك وشرائطه. ولما كانت
هذه الظروف والشرائط تختلف في الافراد والحالات المتنوعة. كانت الحقيقة في
كل مجال حقيقة بالنسبة الى ذلك المجال الخاص بما ينطوي عليه من ظروف
وشرائط. وليست الحقيقة هي مطابقة الفكرة للواقع لتكون مطلقة بالنسبة الى
جميع الاحوال والاشخاص.
وهذه النسبة وان كانت تحمل شعار الحقيقة, ولكنه شعار مزيف,
فليست هي كما يبدو بكل وضوح الا مذهبًا من مذاهب الشك والريب في كل واقع موضوعي.
ويساند النسبية الذاتية هذه الاتجاه الفيزيولوجي للمثالية القائل ان
الاحساس لا يعدو ان يكون رمزا, وان الذي يحدد كيفيته ونوعيته ليس هو
الشيء الخارجي بل طبيعة الجهاز العصبي.
والواقع ان السبب الاصيل الذي اتاح الظهور لهذه النسبية الذاتية هو
التفسير المادي للادراك, واعتباره محتوى عملية مادية يتفاعل فيها الجهاز
العصبي المدرك والشيء الموضوعي, كالهضم الذي تحققه عملية تفاعل خاص
بين الجهاز الهاضم والمواد الغذائية. فكما ان الغذاء لا يتفاعل ولا يهضم الا
باجراء عدة تصرفات وتطويرات عليه, كذلك الشيء الذي ندركه لا يتاح لنا ادراكه الا بالتصرف فيه والتفاعل معه.
وتختلف هذه النسبية عن نسبية (كانت) في نقطتين:
الاولى: انها تخضع جميع الحقائق للطابع النسبي الذاتي من دون استثناء,
خلافا لـ (كانت) اذ كان يعتبر المبادئ والمعارف الرياضية حقائق مطلقة.
فـ 2+2=4 حقيقة مطلقة لا تقبل الشك في راي (كانت) , واما في راي النسبيين الذاتيين فهي حقيقة نسبية, بمعنى انها الشيء الذي تقتضيه طبيعة
ادراكنا وجهازنا الخاص فحسب.
الثانية: ان الحقيقة النسبية في رأي النسبيين الذاتيين تختلف في الافراد,
وليس من الضروري ان يشترك جميع الناس في حقائق معينة, لأن لكل فرد
دورا ونشاطا خاصا, فلا يمكن الحكم بان ما يدركه فرد هو نفس ما يدركه
الفرد الاخر ما دام من الممكن اختلافهما في وسائل الادراك او طبيعته. واما (كانت) فالقوالب الصورية عنده قوالب فطرية تشترك فيها العقول البشرية
جميعًا, ولهذا كانت الحقائق النسبية مشتركة بين الجميع. وسوف ياتي في
مستقبل دراستنا الحديث عن التفسير المادي للادراك, الذي ارتكزت عليه
النسبية الذاتية وتفنيده.
?الشك العلمي