ناحية الروابط التاريخية أو الحنين إلى الماضي وحسب، بل بسبب الروابط القارية القريبة كذلك، وكما تمت محاولة إبعاد تركيا عن شرقي أوروبا عن طريق تنحيتها عن الدخول في الاتحاد الأوروبي، فإنها ستتعرض إلى ضعف جدي في هويتها كدولة متوسطية إذا ما انسلخت عن شمالي إفريقيا بفعل تأثير الاتحاد الأوروبي المتجه إلى هذه المنطقة في موجة استعمارية جديدة. وإذا أرادت تركيا أن تكون صاحبة كلمة في توازنات البحر المتوسط، يجب عليها أن تبني جسرًا استراتيجيًا بين سياساتها حيال شرقي المتوسط والشرق الأوسط في الحوض القريب منها، وبين سياساتها البلقانية الأدرياتيكية التي تعتبر جزءًا من سياساتها في المناطق البرية القريبة، وأن تدعم رؤيتها الاستراتيجية هذه بسياسات متجهة نحو شمالي إفريقيا ووسط البحر المتوسط [1] .
استنتاج:
إن الموقف التركي الرافض لتدخل مجلس الأمن وحلف الأطلسي عسكريًا في ليبيا، يجد أساسه المتين ليس في المواقف المبدئية التي أعلنها أردوغان، بما يشكك بالنيات الحقيقية للقوى الغربية الداعمة للثوار، رابطًا القرارات الدولية بالمصالح الاقتصادية. بل إن شمالي إفريقيا بالنسبة إلى النظرة الجيوبوليتيكية الجديدة المعتمدة في أنقرة، تمثل واحدة من مناطق التأثير بين القارات، التي لا يمكن لتركيا التخلي عنها، وخاصة أنها تنتمي إلى المجال العثماني السابق، إضافة إلى رصد أكثر من محاولة أوروبية، وفرنسية بالأخص، لاستعادة هيمنتها على هذه المنطقة، مع استبعاد تركيا عن شرقي أوروبا، بعرقلة انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. وإذا كان الدفاع عن الحدود التركية الحالية لا بد أن يبدأ في الدوائر الأبعد، كما يقول وزير الخارجية أحمد داود أوغلو، وليس عند
(1) - المصدر السابق، ص241 - 242.