فإن اتفقنا علمتَ أنَّا لم نجازف ولم نَقُله إلا بفهم، قال: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟ قلت: أبو زُرْعة ... » (2) فقول أبي حاتم: «سلْ عما قلتُ من يحسن مثل ما أحسن» يدل على أنه عِلْم يُتَعلّم ويُحْسِنُ معرفتَه من يأخذ بأسبابه، وكذلك قول عبد الرحمن بن مهدي: «إنكارنا للحديث عند الجهال كهانة» ، فتأملْ التعبير «الجهال» أي من ليس عندهم علم بهذا الفن.
قال المعلميُّ: «وهذه الْمَلَكة لم يُؤْتَوْها من فراغ، وإنما هي حصاد رحلة طويلة من الطلب، والسماع، والكتابة، وإحصاء أحاديث الشيوخ، وحفظ أسماء الرجال، وكُناهم، وألقابهم، وأنسابهم، وبلدانهم، وتواريخ ولادة الرواة ووفياتهم، وابتدائهم في الطلب والسماع، وارتحالهم من بلد إلى آخر، وسماعهم من الشيوخ في البلدان؛ من سمع في كل بلد؟ ومتى سُمِع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابه؟ ثم معرفة أحوال الشيوخ الذين يحدِّث الراوي عنهم، وبلدانهم، ووفياتهم، وأوقات تحديثهم، وعادتهم في التحديث، ومعرفة مرويات الناس عن هؤلاء الشيوخ، وعرض مَرْوِيات هذا الراوي عليها، واعتبارها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه.
هذا مع سعة الاطلاع على الأخبار المروية، ومعرفة سائر أحوال الرواة التفصيلية، والخبرة بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، وبمظنات الخطأ والغلط، ومداخل الخلل.
هذا مع اليقظة التامة، والفهم الثاقب، ودقيق الفطنة، وغير ذلك» (3) .