الصفحة 17 من 40

ومعرفة حكامهم بأحكام الدين وحكمه ، فليس من الدين في شيء ، وإنما هو من

الجهل بأمر الدين والدنيا . ولو كان للحجاز حكومة عاقلة رشيدة لعرفت كيف تحفظ

ما زاد عن حاجة الناس من تلك اللحوم بجعل بعضها قديدًا ، وبعضها مقليًّا من النوع

الذي يقال له ( قاورمه ) ولأفاضت منها على فقراء الحرم طول سنتهم ، وها نحن

أولاء نرى الأمم العالمة التي تعرف كيف تستفيد من جميع نعم الله تعالى تنقل اللحم

الغريض والسمك الطري من قطر إلى قطر ، حتى إن الغنم تذبح في استرالية ويباع

لحمها في مصر من شمالي إفريقية وفي شمال أوربة أيضا ، ونحن قد جعلنا حسنات

ديننا سيئات بسوء تصرفنا ، فصرنا حجة عليه في نظر الأمم كلها ، وهو حجة

علينا عند الله تعالى .

وإذا جاز أن تترك هذه الذبائح وينفق ثمنها فيما ذكر السائل فمن يضمن أن

يقوم الناس بذلك ؟ كلا إن هذا شعار لا يقوم غيره مقامه ، ولو كان للمسلمين من

الاهتمام بعمران الحرمين وخدمة الحجاج ما أشار إليه لما توقف قيامهم به على

تركهم لهذا النوع من النسك ؟

فإن كان في الأنعام التي تذبح هنالك ما يضر لحمه الآكلين ، وعرف ذلك

بشهادة الأطباء والعارفين ، فالواجب على الحكومة أن تمنع دخول هذا النوع الضار

حتى لا يسوق الناس إلى الحرم من الغنم وغيرها من النعم إلا كل صحيح لا يخشى

منه ضرر .

العَلَمَان وحكمة حدود عرفة

إذا كان من أركان الحج الوقوف بعرفة وجب أن يكون لعرفة حدود معينة ،

وإلا بطل معنى فرضية الوقوف فيها ، وهكذا كل عبادة اعتبر في فرضيتها مكان أو

زمان كالطواف والسعي بين الصفا والمروة وصيام رمضان وكون الصيام من طلوع

الفجر إلى غروب الشمس ، لا تحصل العبادة لمن خرج عن الحد المكاني أو

الزماني ، وأما مسألة القبول فهي شيء آخر: ما كل من أتى بأعمال العبادة الظاهرة

نجزم بأن عمله مقبول عند الله تعالى ، إذ يجوز أن يكون مرائيًا بعمله غير مخلص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت