ومعرفة حكامهم بأحكام الدين وحكمه ، فليس من الدين في شيء ، وإنما هو من
الجهل بأمر الدين والدنيا . ولو كان للحجاز حكومة عاقلة رشيدة لعرفت كيف تحفظ
ما زاد عن حاجة الناس من تلك اللحوم بجعل بعضها قديدًا ، وبعضها مقليًّا من النوع
الذي يقال له ( قاورمه ) ولأفاضت منها على فقراء الحرم طول سنتهم ، وها نحن
أولاء نرى الأمم العالمة التي تعرف كيف تستفيد من جميع نعم الله تعالى تنقل اللحم
الغريض والسمك الطري من قطر إلى قطر ، حتى إن الغنم تذبح في استرالية ويباع
لحمها في مصر من شمالي إفريقية وفي شمال أوربة أيضا ، ونحن قد جعلنا حسنات
ديننا سيئات بسوء تصرفنا ، فصرنا حجة عليه في نظر الأمم كلها ، وهو حجة
علينا عند الله تعالى .
وإذا جاز أن تترك هذه الذبائح وينفق ثمنها فيما ذكر السائل فمن يضمن أن
يقوم الناس بذلك ؟ كلا إن هذا شعار لا يقوم غيره مقامه ، ولو كان للمسلمين من
الاهتمام بعمران الحرمين وخدمة الحجاج ما أشار إليه لما توقف قيامهم به على
تركهم لهذا النوع من النسك ؟
فإن كان في الأنعام التي تذبح هنالك ما يضر لحمه الآكلين ، وعرف ذلك
بشهادة الأطباء والعارفين ، فالواجب على الحكومة أن تمنع دخول هذا النوع الضار
حتى لا يسوق الناس إلى الحرم من الغنم وغيرها من النعم إلا كل صحيح لا يخشى
منه ضرر .
العَلَمَان وحكمة حدود عرفة
إذا كان من أركان الحج الوقوف بعرفة وجب أن يكون لعرفة حدود معينة ،
وإلا بطل معنى فرضية الوقوف فيها ، وهكذا كل عبادة اعتبر في فرضيتها مكان أو
زمان كالطواف والسعي بين الصفا والمروة وصيام رمضان وكون الصيام من طلوع
الفجر إلى غروب الشمس ، لا تحصل العبادة لمن خرج عن الحد المكاني أو
الزماني ، وأما مسألة القبول فهي شيء آخر: ما كل من أتى بأعمال العبادة الظاهرة
نجزم بأن عمله مقبول عند الله تعالى ، إذ يجوز أن يكون مرائيًا بعمله غير مخلص