فيه ، وإنما يتقبل الله من المتقين المخلصين ، ولكن المخلص إذا لم يأت بالعمل الذي
فرضه الله تعالى كما فرضه تعالى بحدوده من زمان ومكان ، فلا مجال للقول بأن
عمله مقبول ؛ لأن العمل لم يوجد ، فمن سعى إلى الحج ولم يدرك الوقوف بعرفة
وراء العَلَمَين اللَّذيْن هما أول حد عرفة لم يدرك الحج حتى يبحث في قبول حجه
وعدم قبوله ، ومثله مثل من سعى إلى صلاة الجمعة ولم يدرك ركعة منها مع الإمام
لا يقال: إن جمعته مقبولة أو غير مقبولة ؛ لأنه لا جمعة له ، وإن سعى إليها من
أول النهار مخلصًا لله في ذلك ، ولكن الله لا يضيع أجر من سعى إلى الحج أو
الجمعة أو غيرهما من العبادات مع الإخلاص فيثيبه على ذلك وإن لم يسقط عنه
الفرض ، وكان لا بد في الجمعة من صلاة الظهر في الحج من أدائه تامًّا في ميقاته .
وقد علم مما ذكرنا أن العَلَمَين حدٌّ لعرفة لا حَدٌّ بين الله والناس ، ولا بين الجنة
والنار .
ترك بعض العلماء لفريضة الحج
الحج فرض على من استطاع إليه سبيلًا ، وهو على التراخي لا الفور إذا
وُجِدَ العذرُ ، والخلاف في المسألة مشهور ، ولم يحج رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلا في آخر سنة من عمره ، ولكنه اعتمر قبل ذلك . ومن ترك الحج وهو
يستطيع السبيل إليه حتى مات ، مات عاصيًا لله تعالى . ولا يقتدى به ولا يعد تركه
إياه عذرًا لغيره ، والسائل يقول: إنه يرى كثيرًا من علماء الأمة ومرشديها
المصلحين لم يحجوا ، وأنا لا أعرف أحدًا من العلماء المصلحين ولا غيرهم من
الجامدين الراضين بحال المسلمين السيئة ترك الحج بغير عذر حتى مات . وقد ذكر
السائل منهم الأستاذ الإمام والسيد الكواكبي - رحمهما الله تعالى - وذكرني معهم .
فأما الكواكبي فهو من علماء الاجتماع والسياسة لا من علماء الدين ، وإن كان له
مشاركة ما في الفقه ونحوه لا تنكر ، ولا أدري أحج أم لا ؟ وأنا ما عرفته إلا في