مصر ، ولم يكن ذا سَعَةٍ فيها ، نعم إنه ساح بعد هجرته إلى مصر في جزيرة
العرب ثم عاد إليها ، ولكن بمساعدة من بعض الناس ، ومن لا يستطيع الحج إلا
بمال غيره لا يجب عليه الحج ، ولا أن يقبل تبرع غيره له بنفقته إن هو تبرع .
وأما الأستاذ الإمام فأنا أعلم أنه كان عازمًا على الحج وقد سمعت ذلك من
لسانه وأنه يريد أن يقيم في المدينة المنورة وما جاورها طائفة من الزمن ، ويبحث
عن مواضع غزوات النبي صلى الله عليه وسلم بحثًا يستعين به على ما كان ينويه
من الكتابة في تاريخ الإسلام ، وتحرير سيرته عليه الصلاة والسلام ، وقد بينت
عذره وعذري وسبب تأخيرنا للحج من قبل ، فمن ذلك قولي في تفسير قوله تعالى:
? وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ? ( آل عمران: 97 ) من جزء التفسير الرابع ما نصه:
إن كثيرًا من أمراء المسلمين ونابغيهم يعلمون أن دون أدائهم لفريضة الحج عقبات
سياسية لا يسهل اقتحامها ، وقد جاء في صحف الأخبار أن أمير مصر استأذن
السلطان في حج والدته وبعض أمراء أسرته فلم يأذن .
وقد كان الأستاذ الإمام يعتقد أنه إذا حج يلقي بيديه إلى التهلكة ، وأنه لا أمان
له في الحرم الذي كان يرى الجاهلي فيه قاتل أبيه فلا يعرض له بسوء . وإن كاتب
هذه السطور يعتقد مثل هذا الاعتقاد ، فنسأل الله تعالى أن يحقق لنا ثانية مضمون
قوله تعالى ? وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ? ( آل عمران: 97 ) لنمتثل ما فرضه علينا من
حج هذا البيت ... إلخ .
وأقول الآن: قد ظهرت صحة اعتقاد الأستاذ واعتقادنا في هذا في مرض
موته حين قبضت الحكومة الحميدية العثمانية في بيروت على الحاج محيي الدين
حمادة عند عودته من مصر ؛ لأنه كان ضيفًا له وكانت بنت أخيه زوجًا له ،
وأخذت أوراقه وحبسته على وجاهته وحسن سيرته وبعده عن السياسة ومذاهبها ،
ثم علمنا أن الحكومة كانت ترسل العسكر بعد ذلك ليلًا لمراقبة سواحل بيروت وما
يجاورها ؛ لأنه بلغها أن الأستاذ يريد النزول فيها .